فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 688
على أن لا تكون ساجدا مع السّاجدين من ملائكة الملأ الأعلى، وقد تسلّلت في صفوف الملائكة مترقّيا حتّى اعتبرت نفسك واحدا منهم، حريصا على أن يكون لك من الفضل والمنزلة الرّفيعة مثل ما لهم، ولو لم يكن عنصرك من الملائكة بل أنت من الجنّ.
فلم يخف إبليس في جوابه احتقاره لآدم ناظرا إلى أحد أطوار خلق جسده، وإلى كونه بشرا.
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 3 ... 688
قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) .
فأبان أنّه بشر شبيه بأجساد حيوانات الأرض في عدم قدرته على اختراق الفراغات العليا والوصول إلى السماوات، كالملائكة وبعض الجنّ.
وذكر المرحلة الأخيرة من أطوار خلق جسده، وهي مرحلة: صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ.
وهذا يعبّر عن استكبار إبليس، وترفّعه واستنكافه عن أن يسجد لمن يعتبره دونه في الخلق، ويعبّر عن شكّه في حكمة اللّه في توجيه الأمر بالسّجود له.
إنّ إبليس لم يذكر لنفسه عذرا حقيقيّا، بل أجاب بما يكشف عن كبره ووقاحته مع ربّه.
فكان لا بدّ من إصدار الحكم عليه بالإخراج من منازل الملأ الأعلى من الملائكة، وبالرّجم للطّرد والإبعاد، مع صبّ اللّغة عليه.
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (35) :
أي: وفي يوم الدّين يجري حسابك على كفرك، وإصدار الحكم عليك بما تستحقّ من عذاب.
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) :