معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 214
الصّبر، والحلم، والصّفح، وسعة الصّدر، ومتابعة قيامه بوظائف رسالات ربّه، بأسلوب الثناء عليه بأنّه لعلى خلق عظيم.
هذه الجملة مؤكّدة بمؤكدات ثلاثة:"إنّ- الجملة الاسمية- اللام المزحلقة".
أي: فتعامل يا محمّد مع قومك بهذا الخلق العظيم الذي فطرت عليه، إذ تدعوهم إلى سبيل ربّك، وإذ تنال منهم ما تنال من أذى.
وهنا نلاحظ أنّ اللّه عزّ وجلّ لم يأمر رسوله صراحة بالصّبر، والحلم، والصفح، وسعة الصّدر، وتحمّل الأذى من قومه، ومتابعة القيام بوظائف رسالته، وإنّما ألمح له إلى ذلك إلماحا عجيبا، فكان هذا الإلماح ثناء فاخرا نفيسا بأنّه لعلى خلق عظيم.
* قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لرسوله:
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) .
المفتون: المراد من المفتون هنا المصاب بالجنون، وإطلاق المفتون على المجنون من التوسّعات اللّغويّة، ومعلوم أنّ الّذي يتصرّف تصرّفات تؤدّي به إلى شقائه وعذابه وخسارته غير مكترث للتحذيرات الّتي توجّه له، هو المستحقّ لأن يوصف بالجنون.
ولمّا كان مصير الكافرين المكذّبين للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمكذّبين بما جاء به عن ربّه، مصير شقاء وعذاب وخسارة وندم، كان وصفهم بالجنون هو الوصف الملائم لسلوكهم، ولكنّ هذا لا يكون مرئيّا بالأبصار إلّا بعد أن يحلّ بهم هذا المصير.
وهذا المصير ليس بعيدا، فستبصره يا محمّد بعيني رأسك، وسيبصرونه بأعينهم في الحياة الدنيا قبل الآخرة، وعندئذ يدركون أنّ