معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 215
المجنون في فريق الكافرين، لا في فريق الرّسول والذين آمنوا معه، وقد دلّ على جنونه أنه دفع بنفسه وبمن اتّبعه إلى مصير الشقاء والعذاب والخسارة والندم.
وجاء استعمال السّين: فَسَتُبْصِرُ للدلالة على المستقبل القريب في الدنيا، ولو كان المستقبل البعيد في الآخرة لكان المناسب استعمال حرف التسويف"سوف".
وقد تحقّق بفضل اللّه هذا، فرأى الرسول والمؤمنون في العهد المدنيّ كيف حلّت بالكافرين الهزائم المنكرة، ورأى الكافرون مصيرهم الذي وعد اللّه الرسول به، وأوعدهم به ضمنا.
لقد تضمّن هذا النصّ وعدا من اللّه لرسوله بأنّه سيظفره، وينصره على متّهميه بالجنون، وعندئذ يبصرون بأعين رؤوسهم مصائرهم الّتي تدلّ على أنّ كلّ واحد منهم كان هو الذي يستحقّ لقب"المجنون".
* قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لرسوله:
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) .
جاءت هذه الآية بمثابة التعليل للإيعاد بالمصير السّيّئ الذي سيصير إليه الذين اتّهموا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالجنون، والوعد بالمصير الحسن السّارّ الذي سيصير إليه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والذين آمنوا به واتّبعوه، فهو بمضمونه إيعاد ووعد.
وسبب هذين المصيرين أنّ اللّه أعلم من كلّ عليم بالضّالين عن سبيله، وأعلم من كلّ عليم بالمهتدين، أي: وبما أنّه جلّ جلاله حكيم في تصاريف قضائه وقدره، فلا بدّ أن يمنح العاقبة الحسنة للمهتدين(أي:
لرسوله وللذين آمنوا به واتّبعوه)ولا بدّ أن ينزل العاقبة السّيّئة المخزية بالذين ضلّوا عن سبيله (أي: بالكافرين الذين اتّهموا الرّسول بالجنون وكذّبوا بما أنزل اللّه عليه) .