فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 714
الشجرة المحرّمة عليهما، وأنّه خالي الذهن من هذه القضيّة تماما، وأنّه حريص على نصحه، فهو أسبق منه وجودا، وأعلم بحقائق كثير من الأمور، وبصفات الأشياء وخصائصها، وأغراه بالخلد في الجنّة، بحياة أبديّة دائمة لا تنقطع مع نعيم عظيم وملك لا يبلى ولا يفنى.
أمّا الخلد فبتأثير عنصر أو مجموعة عناصر تشتمل عليها شجرة الخلد، وسمّاها إبليس شجرة الخلد قبل أن يدلّ آدم عليها، لإشعاره بأنّ هذا الاسم الوصفيّ هو اسمها المعروف عند أهل الملأ الأعلى، وهي شجرة من أشجار الجنّة.
فاستثار إبليس بهذا العرض طمع آدم وتشوّقه لمعرفة هذه الشجرة، حتّى يأكل منها.
ومعلوم أنّ النفس الإنسانيّة متى تعلّقت بمجهول فيه مطلب عظيم من مطالب النفس، أخذت تغلي مراجلها للتّعرّف عليه، والوصول إليه، واستعماله لتحقيق مطلوبها العظيم.
وهذا هو أسلوب التّشويق للرّبط والإزلاق.
وأمّا الملك الّذي لا يبلى، أي: لا يفنى ولا يهترئ كما تبلى الثياب، فهو فيما يظهر إغراؤه بسلطان دائم على ذرّياته الّذين يتناسلون منه فيها، بعد أن يأكل من شجرة الخلد فيكون من الخالدين، وإغراؤه بسلطان دائم على أهل الجنة وسكانها من غير ذرّياته.
بعد هذا التشويق والتعليق للرّبط والإزلاق، لا بدّ أن يكون آدم قد قال لإبليس: نعم، دلّني عليها. ولكنّ النصّ سكت عن هذا إيجازا.
وهنا يأتي دور إبليس في إلهاب أشواق آدم للتعرّف على شجرة الخلد، ومع لهيب الشّوق يحصل في البصيرة غشاوة وسلطان هوى، لكنّ هذه الأطوار قد طواها القرآن، لإمكان التوصّل إليها بالتدبّر والتفكير العميق.