فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 713
كيف وسوس الشيطان إلى آدم، وقد يكون قد ظهر له بصورة ملك من الملائكة، أو بصورة جنّيّ من الصالحين، أو غير من شكله تنكّرا واللّه أعلم.
ويظهر أنّ ما تضمّنه هذا النصّ هو بداية الحركة الكيديّة الإغرائيّة من إبليس الشيطان بالوسوسة، الّتي اتّخذت أسلوبا غير مباشر، حتّى تصل إلى مراكز التأثير في نفس آدم، بدليل استخدام حرف الجرّ"إلى"في قول اللّه تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ. حرف الجرّ"إلى"يدلّ على بعد ما بين بدء الحركة والوصول.
وجاء الحديث في هذا النصّ عن آدم منفردا عن زوجته، وذكر اللّه عزّ وجلّ فيه إبليس باسمه الوصفيّ الجديد"الشيطان"المأخوذ من فعل"شطن"بمعنى بعد، والمأخوذ من الشّدّ بالشّطن، وهو الحبل الّذي يدلّى به الدّلو إلى البئر. وقد استحق إبليس هذا الاسم الوصفيّ الجديد إذ قد هيّأ نفسه للإغراء والإغواء والإضلال عن صراط اللّه المستقيم، وممّا لا شكّ فيه أنّ إبليس قد صار بذلك بعيدا عن الحقّ، مطرودا من دائرة رحمة الرحمن الواسعة، ومبعدا عباد اللّه عن الصراط المستقيم بوساوسه وتسويلاته، وهو يتّخذ حبائل كثيرة يدلّي بها عباد اللّه إلى جحيم المعاصي والآثام، حتّى حضيض الكفر باللّه جلّ جلاله.
وحين تكون الدعوة إلى الإثم والعصيان وسوسة في الصدر من محدّث غير مرئي، فإنّ الإنسان يشعر بأنّها من قبيل حديث نفسه لذاتها، وهذا أدعى إلى الاستجابة والاندفاع إلى ما تدعو إليه الوسوسة.
* قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (120) .
بدأ إبليس الشيطان آدم بأسلوب استدراجي، تجاهل فيه أنّه يعلم أنّ اللّه عزّ وجلّ نهاه وزوجه عن أن يأكلا من الشجرة، فقدّم إغراءه له بأسلوب العرض الاستفهاميّ هَلْ أَدُلُّكَ وأوهمه أنّه لا يعلم شيئا عن قصّة