فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 728
في هدى اللّه المنزل، فكان سلوكه مشابها سلوك الكافرين، فعاقبه اللّه عزّ وجلّ في الدنيا، فجعل له معيشة ضنكا.
الضّنك: الضيق في كلّ شيء، يستوي فيه المذكر والمؤنث، تقول:
عيش ضنك، ومعيشة ضنك، أي: ضيّقة لا سعة فيها، وقد يكون ضيقا نفسيّا، ولو كان المضيّق عليه ذا سعة من المال. وقد يأتي هذا الضّنك من أهله وأسرته وأولاده، أو وسائل كسب رزقه، أو من أمراض وأوجاع تتراكب عليه، أو من غير ذلك.
ويعاقبه اللّه يوم القيامة بعد البعث، فيحشره أعمى، نظير حشر الكافرين، لمشابهته لهم في أعمالهم، فقال تعالى:
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى: أي: على مثل ما يحشر عليه الكافرون، مع أنّه لم يكن كافرا في الحياة الدنيا.
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) ؟:
أي: لم حشرتني أعمى كالكافرين، وقد كنت في الحياة الدنيا بصيرا، أي: مؤمنا غير كافر.
قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها:
كَذلِكَ: أي: مثل ذلك الّذي كان منك في الحياة الدنيا، والمعنى: حشرك أعمى كحشر الكافرين مماثل لما كان منك في الحياة الدّنيا، إذ إنّك مع كونك مؤمنا بي لم تتبع هداي الّذي أمرتك بأن تتبعه، ولم تؤدّ ما أمرتك به، ولم تنته عمّا نهيتك عنه، وتركت العمل بآياتي، فصرت في حياتك مثل الكافرين في السّلوك.
فَنَسِيتَها: أي: فتركتها، وتركت العمل بها، أصل النسيان في اللّغة الترك، وترك الشيء زمنا طويلا يمحوه من الذاكرة، فلا يخطر على البال.
وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى:
أي: ومثل تركك في الدنيا العمل بآيات ربّك المنزّلات المشتملات