فهرس الكتاب

الصفحة 2213 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 119

الأولى والثانية. قال إبليس: أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ دون أن يقول له:

"ربّ"فمع إلحاحه بتكرار الطلب الّذي لم يعطه اللّه منه إلّا الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم الّذي يميت اللّه فيه جميع الأحياء، كما جاء في الجلستين الأولى والثانية، فقد كان في الجلسة الثالثة شديد الوقاحة، فخاطب ربّه بأسلوب لا يكون إلّا من النّدّ للنّدّ، فقال اللّه له: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، أي: إنّك منظر مع الذين أأخر إماتتهم إلى وقت إنهاء ظروف الحياة الدنيا، فجميع المنظرين من كبراء الملائكة يميتهم اللّه عندئذ.

كان إبليس بعد الحكم عليه بالهبوط والخروج، واللّعن في كلّ جلسة من جلسات محاكمته، يمعن في إصراره على إغواء آدم وزوجه وذرّياتهما حتّى يكونوا من أهل النار.

وكان اللّه عزّ وجلّ به حليما رحيما، بأن عقد له ثلاث جلسات لمحاكمته، ليترك له فرصة مراجعة نفسه، ويقطع عليه كلّ عذر يمكن أن يعتذر به مستقبلا، كعذر أنّ الحكم عليه قد كان بمحاكمة مستعجلة لم تترك له فيها فرصة التّروّي، لعلّه يراجع نفسه، أو أنّه كان في حالة استياء وغضب أخرجته عن وعيه السّليم، فصدر منه ما صدر من عناد وإصرار على الاستكبار، ورفض طاعة اللّه جلّ جلاله بالسجود لآدم.

ويترجّح لديّ أنّ اللّه عزّ وجلّ بعد أن أصدر الحكم عليه في الجلسة الأولى، وفي الجلسة الثانية، أعلمه بأنّه سيعقد له جلسة محاكمة أخرى، ليعدّ نفسه للتّوبة والاستغفار، وليراجع نفسه عسى أن يتوب اللّه عليه، ويرفع عنه حكم الطّرد واللّعن المؤبّدين، لكنّ إبليس أصرّ على العناد والاستكبار، وجحود إلهيّة اللّه له.

كرّر إبليس في هذه الجلسة الثالثة طلب إنظاره إلى يوم البعث، راغبا في أن لا يذوق الموت حتّى عند إنهاء حياة كلّ الأحياء، لأنّه كان يعلم أنّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت