معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 232
أمّا على قراءة: (أأن كان ذا مال وبنين) بصيغة الاستفهام، فهو استفهام استنكاريّ توبيخيّ لهذا الصنف من النّاس مرتبط بجملة: قالَ .. أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ والمعنى: ألأنّه كان ذا مال وبنين بعطاء منّا له كان شأنه:
إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) ؟!! فما أشدّ قبح هذه المقابلة، وما أخسّ وأرذل أصحابها؟!!
* قول اللّه عزّ وجل:
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) .
لقد اقتضت الحكمة التربويّة توجيه الوعيد لهذا الصنف المستكبر المكذّب، بعذاب مذلّ مهين يخزيه يوم الدّين، وربّما بعذاب معجّل يخزيه ويذلّه في الدّنيا أيضا، بدليل استعمال حرف"السّين"في: سَنَسِمُهُ: الوسم: الكيّ بالنّار لتمييز الموسوم بعلامة خاصّة.
الْخُرْطُومِ: الأنف، ومقدّم الأنف، ويختصّ غالبا بخرطوم الفيل، وخرطوم الخنزير.
وجاء استعمال لفظ"الخرطوم"هنا للدّلالة على أنف هذا الصنف من الناس، للإشارة إلى أنّه استكبر بأنفه على خلق اللّه، وعن الإيمان بآيات اللّه، وتصديق رسوله، لكنّه في الحقيقة أنزل نفسه بانتفاخ أنفه إلى مستوى الفيلة والخنازير ذوات الخراطيم.
لكنّ هذا الأنف المنتفخ المستكبر سيكوى بالنار، ويكون كيّه بالنّار وسما مذلّا مهينا مخزيا يتميّز به بعلامة فارقة خاصّة.
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 1 ... 232
ربّما يكون هذا بسبب كبّه في النّار على منخره، إهانة له على عناده واستكباره، وتعذيبا له على جحوده الحقّ وإنكاره.
وقد ثبت في الصحيح عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قوله:
"و هل يكبّ النّاس في النّاس على وجوههم. أو قال: على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم".