معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 234
درس مدني التنزيل:
هذا درس مدنيّ أضيف إلى سورة (القلم) الّتي هي من أوائل التنزيل المكيّ، للإشعار بأنّ ما كان إنذارا من قبل قد تحقّق بعضه فيما بعد، ففي العهد المدنيّ من مسيرة دعوة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، أخذت الهزائم تتلاحق بمشركي مكّة، الّذين كانت لهم من قبل السّيادة، والسّلطان، وكانوا يعاملون الرّسول والّذين آمنوا به واتّبعوه بظلم وقسوة وعدوان، وكان لهم بين عرب الجزيرة أشرف منزلة وأعلى مكان، وكان فيهم الأثرياء وذوو الوجاهة والصّيت الحسن بين قبائل العرب، فسلبهم اللّه بنصر رسوله والمؤمنين به عزّهم ومجدهم، ومعظم ما كان لهم به دولة وسلطان، وتحوّلت أنظار قبائل العرب وغير العرب إلى المدينة المنوّرة، حيث ظهرت دولة الإسلام الدّينيّة، بقيادة محمّد بن عبد اللّه الذي كان بين قومه وعشيرته في مكّة مضطهدا يناله الأذى من أقوالهم وأعمالهم هو والذين آمنوا معه.
فجاءت عظة الواقع تطبيقا للإنذار السّابق، فكان من المناسب إنزال قصّة هذا الدّرس التاريخيّة، المشابهة لحال كفّار مكّة بين العهدين المكيّ والمدنيّ للرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، وإضافة هذا الدرس إلى سورة (القلم) الّتي أنزل معظمها أيّام كان كفّار مكّة في أوج مجدهم وعزّهم وسلطانهم، والفرق بين تاريخي تنزيلهما عشر وبضع سنين، لكنّ كتاب التربية والموعظة الرّبّانيّة، كتاب لكلّ النّاس على تعاقب العصور، فإذا اقتضت حال المعالجين في مرحلة من مراحل تنزيل القرآن عدم إنزال درس من الدّروس أخّر اللّه تنزيله، حتّى إذا اقتضت الحكمة تنزيله أنزله اللّه، وضمّه إلى مكانه الملائم من تنزيل سابق، وفي الصيغة النهائيّة الدائمة يراعى تكامل أداء النّصّ للهدف العامّ منه.
وقصّة هذا المثل المشابهة لحال كفّار مكة بين الماضي إبّان أوائل بعثة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، وبين ما صاروا إليه إبّان نزول هذا المثل، أنّ إخوة من أهل