معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 206
أمّا من كان من أهل الإيمان ولكن لم يصل إلى درجة من اتّقى وأصلح، فقد يناله من الخوف والحزن على مقدار معاصيه، بسب ما ينزل به من عقاب، وما يحرمه من ثواب.
* وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. (36)
أيّ: والّذين يثبت عليهم في محكمة العدل الرّبّانيّة يوم الدّين، أنّهم كانوا في الدّنيا قد كذّبوا بآيات اللّه، الّتي بلّغها رسول من رسل اللّه، المؤيّدين من عند اللّه بالآيات البيّنات، والمعجزات الباهرات، إذ كذّبوا الرّسول على الرّغم من ثبوت رسالته بالبرهان، ويثبت عليهم في محكمة العدل الرّبّانية، أنّهم استكبروا في أنفسهم، وامتنعوا عن امتثال مطلوب اللّه منهم، بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه في آياته المنّزّلات، هم ملازمو النّار للعذاب فيها، وهم في العذاب خالدون بلا نهاية.
الاستكبار: يأتي في اللّغة بمعنى الامتناع عن قبول الحق، معاندة وتكبّرا. ويأتي بمعنى التكبّر بشدّة، والمعنى الأوّل هو الأكثر مناسبة هنا.
وجاءت تعدية فعل: استكبروا هنا بحرف الجرّ"عن"لتضمّن الفعل معنى الامتناع عن قبول ما جاء في بيانات اللّه من حقّ، والامتناع عن العمل بما جاء فيها من أوامر ونواهي وتكاليف.
ولمّا كان هؤلاء كافرين بسبب تكذيبهم واستكبارهم ممتنعين عن طاعة اللّه، وعن الإيمان بربوبيّته وبإلهيّته، كانوا مستحقّين لأن يكونوا أصحاب النار، وأن يكونوا خالدين فيها.
وجاءت الإشارة إليهم باسم الإشارة الموضوع للبعيدين: أُولئِكَ للدّلالة على أنّهم بعيدون جدّا عن مواطن تنزّلات رحمة اللّه، وهابطون في العمق السّحيق الّذي يكون فيه المجرمون.