فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 238
* .. وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) : أي:
وبعد أن يحمدوا اللّه ربّهم، ويمجّدوا رسله، على ما سبق بيانه، يكافئهم اللّه جلّ جلاله بتكريم منه، فيصدر في أرجاء الجنّة نداء عامّ من اللّه عزّ وجلّ، أو بأمر منه، تفسيره ما جاء بعد"أن"التفسيريّة.
* تِلْكُمُ الْجَنَّةُ: جاءت الإشارة إلى الجنّة الّتي ينعم أهلها بما وهبهم اللّه فيها، باسم الإشارة الموضوع للمشار إليه البعيد، للإشعار بجلالة قدرها وارتفاع منزلتها، وهذا من الأساليب البلاغيّة المستعملة في القرآن كثيرا.
* أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: أي: منحتموها بسبب ما كنتم تعملون من أعمال صالحة في الحياة الدّنيا.
وسمّى اللّه عزّ وجلّ استحقاق أهل الجنّة لمنازلهم فيها ميراثا لحكمتين:
الحكمة الأولى: أنّ عطاء اللّه عزّ وجلّ لهذه المنازل هو في الحقيقة منحة منه، فهو أشبه بالميراث الذي سببه القرابة أو المصاهرة.
ومنازل الجنّة للمتّقين سببها العمل الصالح، مع أنّ العمل الصالح من العبد مهما بلغ لا يكافئ ما تفضّل اللّه به عليه في الحياة الدنيا، من الحياة والرزق والتكريم بخصائص الإنسانية العظمى.
فتأتي منازل الجنّة فضلا آخر من اللّه على عباده المتّقين، أمّا العمل فهو سبب غير فاعل، وهو كسب القرابة في استحقاق النّصيب من الإرث، مع أنّ القريب ربّما يكون قد آذى قريبه ولم ينفعه بنافعة.
ويدلّ على هذا ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: