فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 246
فالأعراف: هي الأعالي المشرفة الّتي تكون فوق الحجاب الفاصل في المحشر، بين أهل الجنّة وأهل النّار، قبل توجيههم لمصايرهم.
وقد نظرت في أقوال المفسّرين حول الأعراف في موقف الحشر، وحول أصحاب الأعراف، ورأيت فيها اختلافا كثيرا، وعدت إلى تدبّر النّصّ بأناة، وإلى ما جاء في المأثور عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وهي روايات لم ترق الأسانيد فيها إلى مستوى الصحيح، ورأيت أنّ أجودها مرسل حسن كما قال ابن كثير، واستعنت باللّه العليم الوهّاب، فترجّح لديّ أنّ الأعراف شرفات مرتفعات فوق الحجاب، وأنّ أصحاب الأعراف هم الذين كانت حسناتهم كافية لوقايتهم بفضل اللّه من عذاب النار، لكن ليس فيها ما يؤهّلهم لدخول الجنّة بحسب ميزان العدل، فوضعوا على الأعراف بين بين.
وقد جاء في عدّة أسانيد، قال ابن كثير بشأنها: من المرسل الحسن، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، أنّه سئل عن أصحاب الأعراف فقال:
"هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ ربّ العالمين من الفصل بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النّار، ولم تدخلوا الجنّة، فأنتم عتقائي، فارعوا من الجنّة حيث شئتم".
* وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ: أي: ونساء لأنّ سنّة اللّه في عباده واحدة، سواء أكانوا رجالا أم نساء.
وجاء ذكر الرّجال دون التصريح بالنّساء، لأنّ الرجال يكونون في مقدّمة الصفوف، فهم الّذين تقع عليهم الأنظار في المشهد، أو لأنّ الأسلوب القرآني يعتمد ذكر الرّجال دون النساء، على اعتبار أن النّساء يلحقن بهم في الأحكام، ما لم تكن القضية من خصائص الذّكورة، واللّه أعلم.
* يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ: أي: يعرفون كلّا من فريق أصحاب الجنّة، وفريق أصحاب النّار، بعلاماتهم الفارقات بينهم.