معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 283
الرّبط بموضوع السورة:
هذا الدرس الخامس من دروس السورة، مرتبط بالآية الثالثة من الدرس الأول من دروسها، وهي قول اللّه عزّ وجلّ فيها:
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ. (3)
وقد سبق أن عرفنا أنّ مضمون هذه الآية يمثّل الخطّ الأعظم الّذي سارت عليه أكثر آيات السّورة، ومعظم فقراتها ودروسها.
لقد جاء في هذه الآية قول اللّه عزّ وجلّ: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، واختير فيها من أسماء اللّه جلّ جلاله اسم"ربّ"إعلاما بأنّ ربوبية اللّه لعباده هي الصّفة الجامعة لكل أسماء اللّه الحسنى المتعلّقة بمخلوقاته جلّ وعلا.
إنّ اللّه جلّ جلاله هو الرّبّ الخالق المصوّر المنشئ خلقه وفق سنّة التربية، والمتابع لما خلق مع كلّ أزمان وجوده بأنواع التربية المختلفة، التي هي الإنشاء المتدرّج، والمتابعة الدّائمة مع كلّ أصغر وحدة زمنيّة، حتّى آخر وجود المخلوق، إذا كان لوجوده نهاية، أو مع كلّ أزمان إيجاده إذا لم يكن لإبقائه في الوجود نهاية.
ولمّا كانت ذات الرّبّ غير مشهودة بالأبصار، ولا مدركة بالحواسّ الظّاهرة، كانت الحاجة ماسّة للتّنبيه على آياته الدّالّات عليه في الكائنات التي هي خلق من خلقه، وخاضعة دواما لسلطان ربوبيّته وإمداداتها وعطاءاتها، ولو لا أنّه جلّ جلاله وعظم سلطانه يمدّها بالتّعهّد والتربية دواما، لما بقيت في الوجود، ولعادت لأصلها وهو العدم، فاللّه تبارك وتعالى هو الّذي يمسك السّماوات والأرض بعطاءات ربوبيّته دواما، لتبقى في الوجود هي وكلّ أجزائها وصفاتها، ولو رفع اللّه عنهما الإمساك في الوجود لعادتا إلى أصلهما وهو العدم، ولئن زالتا فلن يوجد بعد اللّه جلّ جلاله أحد يوجدهما ويمسكهما.