معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 307
* سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ: يتحدّث ربّنا بضمير المتكلم العظيم، أي سقنا السّحاب، أعيد الضمير المذكّر على السّحاب، لأنّ لفظ"السّحاب"يذكّر ويؤنّث، أو سقنا الماء الّذي تحمله السّحاب، وهذا فيما أرى أولى.
والبلد الميّت: هي الأرض الّتي لا نبات فيها، ولا خضرة ولا نضرة، فهي كالجسد الميّت.
* فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ: وهنا يتحدّث ربّنا بضمير المتكلّم العظيم أيضا، إشارة إلى عظمة ربوبيّته في تصاريفه الحكيمة رحمة بالعباد، أي:
أنزل اللّه جلّ جلاله بعظمة روبيّته بالبلد الميّت الماء من السّحاب.
* فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ: أي: فأخرجنا بعظمة الرّبويّة وسلطانها، بالماء من كلّ الثمرات، وهي ثمرات النباتات المختلفات المنتشرات هي أو جذورها أو بزورها في الأرض الّتي أنزل بها الماء.
إنّ الماء سبب من الأسباب الّتي جعلها اللّه عزّ وجلّ مادّة لإنبات النباتات وإخراج الثّمرات، في عالم الأسباب والمسبّبات، واللّه جلّ جلاله هو منبت النّبات، ومخرج الثمرات المختلفات.
ونلاحظ في هذا البيان الرّبّانيّ، أنّ إرسال الرّياح بشرا"أو نشرا أو نشرا أو نشرا"بين يدي رحمة اللّه، أمر يتم بأمر اللّه وخلقه، وتوجيه قدرته، إنفاذا لإرادته الّتي اقتضتها حكمته المقترنة بعلمه المحيط بكلّ شيء، أي: وليس مجرّد حركة سببيّة في الكون، تتمّ بعلمه وإذنه، بل هو أمر تتدخّل فيه الإرادة الرّبّانيّة أمرا، وإرسالا لتحقيق أمر مقصود ابتداء.
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 4 ... 307
لو لا تدخّل الإرادة الرّبّانيّة الخاصّة، لبقيت الرّياح ضمن نظام الإرادة العامّة، تتحرّك بعلم اللّه وإذنه، ولهذا قال اللّه عزّ وجلّ: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ.
إنّ قضيّة رزق العباد وتوجيه أسبابه تتدخّل الإرادة الرّبّانيّة بقسمته بعناية خاصّة.