معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 306
إنّ من الملاحظ دواما أنّ من الظّواهر الكونيّة أن تهبّ الرّياح، فتسوق السّحاب، وتجمّعها، فإذا شاء اللّه سقيا أرض أغاثها بإنزال الماء من السّحاب عليها، فأرواها وأروى أحياءها.
ودلّت كلمة: [يرسل] على معنى التّوجيه برفق، وعلى معنى حمل رسالة ربّانيّة فيها بيان وتعليم وحجّة، يفهم ذلك من يدرك دلالات الآثار على فاعلها وصفاته.
* بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ: أي: يرسل الرّياح لأجل أن يكون قدومها برفق مبشّرا بأنّ الغيث من السماء قادم، وهذه طلائعه، إذ تحمل أيادي الرّياح رسالة بشرى بمقدم الغيث الذي يسقي به اللّه جلّ جلاله، وعظمت حكمته ورحمته، البلاد والعباد.
وعلى قراءات: [نشرا- نشرا- نشرا] : أي: يرسل الرّياح لأجل أن تنشر الأشياء التي جعلها اللّه أسبابا لمنافع كثيرة، سبق بيان بعضها، ومنها اللّقاحات.
* بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ: أي: قبل مجيء آثار رحمته، ورحمة اللّه صفة من صفاته جلّ جلاله، ومن آثارها فيوض عطاءاته، ومن فيوض عطاءاته أن ينزل إليهم من السّماء ماء طهورا نقيّا من الشوائب، هو من أسباب الحياة والنّماء.
* حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا: أي: حتّى إذا حملت الرّياح في الجوّ سحابا ثقالا بالماء المتبخّر.
السّحاب: اسم جنس جمعيّ يفرّق بينه وبين واحدة بالتاء، فمفرده سحابه.
ثِقالًا: جمع"ثقيلة"وقد جاءت وصفا للسّحاب، أي: حتّى إذا حملت الرّياح سحبا ثقيلة، والّذي يجعل السّحب ثقيلة ذرّات الماء المتجمّعة فيها، وكلّما تقاربت كانت السّحب أكثر ثقلا.