فهرس الكتاب

الصفحة 2400 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 305

وبما أنّه هو ربّهم الّذي لا شريك له فقد تكفّل بتهيئة أسباب رزقهم، ومنها أنّه جلّ جلاله خلق في ذواتهم ما يقدرون به على تحصيل أرزاقهم، ممّا هيّأ لهم في الأرض من نبات وحيوان.

أمّا النبات فقد هيّأ لهم أسبابه بزورا وتربة منبتة، وشمسا تمدّ بالطّاقة الحراريّة التي لا بدّ منها بحسب نظام اللّه السّببيّ لظهور النّباتات ونموّها.

ومن هذه الأسباب الماء، وقد جعل اللّه عزّ وجلّ للماء في الأرض خزّانا عظيما محفوظا من التغيّر بما جعل فيه من أملاح، إنّه البحار في الأرض، وقد جعل اللّه عزّ وجلّ نظاما عجيبا دائب العمل لتحلية الماء المخزون في البحار المالحة حتّى يكون صالحا للنّبات، وسقيا للدوابّ والناس.

هذا النظام قائم على أسباب التّبخّر بالحرارة، والحمل بالرّياح، والتجميع بالسّحاب، والسّوق في جوّ الأرض بالرّياح، وتلقيح نويات ذرّات الماء في السّحاب بوساطة ما تحمله الرّياح من ذرّات لقاح.

ويأتي الأمر الرّبّانيّ بسقيا بلد ميّت، فينزل اللّه الماء به، فتشرب الأرض والأنعام والناس وكلّ ما يدبّ على الأرض من أحياء، فيخرج به اللّه من كلّ النّباتات ذوات الثمرات المختلفات، بحسب ما في الأرض من جذور وبزور، والّتي سقاها اللّه بالماء المحلّى الذي أنزله غيثا من السّحاب.

وهكذا كان تدبير اللّه في الأرض بربوبيّته الحكيمة، رزق الناس وسائر الأحياء، ضمن نظامه السّببيّ في عالم الأسباب والمسبّبات، فتبارك اللّه أحسن الخالقين.

فقول اللّه تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وفي القراءات الأخرى: [نشرا- نشرا- نشرا] يتضمّن لفت نظر المتفكّرين إلى آثار من آثار ربوبيّة اللّه لعباده، وهي إرسال الرّياح لأداء وظيفة من وظائفها، تتعلّق بتدبير اللّه أرزاق العباد، رحمة بهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت