معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 251
لهم أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أباح لهم ذلك، فأثبت فيه بنصوص صريحة واضحة أنّ لهم في الحياة كلّ ما يتخيّرون من عمل.
لكنّ أيّ كتاب ربّانيّ صحيح غير محرّف لا يوجد فيه نصّ مثل هذا النصّ، فسقط هذا الاحتمال الذي يمكن أن يتعلّل به المكذّبون.
هذا الجانب من جوانب المحاصرة في هذه المناظرة، قد دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ لهم، في خطاب واجههم به:
أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (38) .
(أم) هذه"أم"المتصلة، وهي الّتي لا يكون الكلام بها إلّا استفهاما، وهي حرف عطف، والاستفهام المقدّر مع"أم"هنا استفهام إنكاريّ.
والمعنى: أفنجعل المسلمين كالمجرمين، وهذا مرفوض عقلا، أم لكم كتاب ربّانيّ فيه تدرسون إنّ لكم لما تخيّرون من عمل، دون أن تكونوا عرضة للمؤاخذة والعقاب على ما تسيئون وتظلمون وتفسدون، وهذا غير موجود.
كسرت"إنّ"مع أنّها وقعت بعد عامل لأنّه علّق بلام الابتداء الّتي يسمّونها المزحلقة.
تخيّرون: أصلها تتخيّرون، حذفت إحدى التاءين تخفيفا.
الاحتمال الثاني: أن يدّعوا أنّ اللّه عزّ وجلّ أعطاهم عهدا على نفسه موثّقا بأيمان بالغة غاية التّأكيد، ومستمرّة الأثر إلى يوم القيامة، إذ يحاسب اللّه عباده ويفصل قضاءه بينهم، مقرّرا ما يجازيهم به، وعندئذ تنتهي المسؤوليّة عن الأعمال في الحياة الدنيا.
وهذه الأيمان البالغة قد أعطاكم اللّه بها أن تحكموا لأنفسكم بما تشاءون من حكم، فأنتم تستطيعون بمقتضى هذا التفويض الرّبّانيّ أن