معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 250
إذن: فلا بدّ أن يكون في خطّة خلقه يوم آخر، غير يوم هذه الحياة الدنيا، يجري اللّه فيه فضله فيمنحه محسنيهم ومسلميهم، ويجري فيه عدله على مسيئيهم ومجرميهم.
هذا هو مفتاح الدليل العقليّ الّذي دلّ على يوم الدين، بعد الإيمان بربّ العالمين، والإيمان بصفاته وأسمائه الحسنى.
وهو ما تضمّنه قول اللّه عزّ وجلّ في أوائل ما نزل من قرآن:
* أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) .
فاستثار اللّه عزّ وجلّ العقول، ونبّه المؤمنين بربوبيّته على الدليل العقليّ الذي يهديهم إلى الإيمان بيوم الدين.
وأتبع اللّه هذا الدليل العقليّ المقنع بمناظرة تشتمل على حصار فكريّ، يسقط كلّ احتمال يمكن أن يكون شبهة للمكذبين بيوم الدّين، أو ذريعة تجعلهم لا يخافون الآخرة وعقاب اللّه فيها على كفرهم، وتكذيب رسول ربّهم.
الاحتمال الأول: أن يتوهّموا أنّ اللّه عزّ وجلّ خلقهم في هذه الحياة، وأباح لهم أن يفعلوا فيها كلّ ما يتخيّرون لأنفسهم من خير وشرّ، وأعطاهم القوى، وسلّطهم على ذواتهم يفعلون بها ما يريدون، وعلى ما حولهم ومن حولهم من أشياء وأحياء، فللقويّ منهم أن يظلم الضعيف ويقهره، ما استطاع ذلك، أو ما استطاع إليه سبيلا أو سببا.
جاهلين أنّ تمكينهم إنّما هو لامتحان إراداتهم في ظروف هذه الحياة الدّنيا.
لكنّ مثل هذه الإباحة على الرّغم من منافاتها لمقتضيات الحقّ والعدل، لا يمكن أن تعلم إلّا عن طريق كتاب ربّانيّ، وهذا الكتاب قد بيّن