معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 249
كيف تحكمون؟: أي: حالكم ينبغي أن يتعجّب منه المتعجبون ويستنكره المستنكرون من أولي الألباب، فعلى أيّة كيفيّة تقبلها العقول تحكمون بهذه التسوية، إذ تنكرون الدّين والجزاء في اليوم الآخر والحياة الأخرى، بعد انتهاء ظروف هذه الحياة الدنيا.
كلّ من هذين الاستفهامين استفهام تعجيبيّ إنكاريّ واجه اللّه عزّ وجلّ به المكذّبين.
وهذا الأسلوب من الاستدلال هو من قبيل الاستدلال بنفي أحد النقيضين لإثبات النقيض الآخر.
والمعنى: يا أيّها المكذّبون بيوم الدين، إذا كنتم تؤمنون حقّا بربّ خالق عليم حكيم، فكيف تقبلون في عقولكم أن يكون هذا الخالق الحكيم متّصفا بالعبث ومنافاة العدل؟
إنّه إذا لم يكن في خطّة الخلق يوم آخر يحاسب النّاس فيه، ويجازون على أعمالهم في هذه الحياة الدّنيا، مع وجود مسلمين ومجرمين فيها يتصرّفون بإراداتهم الحرّة الّتي وهبهم اللّه إيّاها، فيظلم منهم من يظلم، ويعتدي من يعتدي، ويكفر من يكفر، ويسلم من يسلم، ويحسن من يحسن، ويعصي من يعصي، ويطيع من يطيع، ويكون فيهم مظلومون وظالمون، ومصلحون ومفسدون، فإنّ خلقا هذه صفته تعوزه الحكمة، ويلزم منه أن يكون خلقا عبثا، أو عملا عشوائيّا، أو عمل ظالم لا يعبأ بآلام من يخلقهم، فيسلّط بعضهم على بعض دون أن يتابع مجرميهم بحساب ولا عقاب عادل، ودون أن يتابع مسلميهم وصالحيهم بتكريم وتفضيل وثواب حسن.
تعالى الرّبّ الخالق العليم الحكيم العدل البرّ الرحيم عن ذلك علوّا كبيرا.