معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 327
إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي: أي: إن كنت متمكّنا من حجّة قاطعة بيّنة آتيكم بها من ربّي، كمعجزة باهرة، أو براهين آسرة محاصرة.
وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ: أي: وآتاني مع هذه البيّنة رحمة لكم من عنده، هي الدّين، وما فيه من تعليمات وبيانات ووصايا تتضمّن نجاتكم من عذاب اللّه، وسعادتكم في دار كرامته.
أي: أفكّرتم في مضمون رسالات ربّي الّتي جئتكم بها، والّتي هي رحمة عظيمة لكم؟ فكّروا وأخبروني.
فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ: أي: فأخفيت عليكم، والتبس عليكم أمرها.
أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ: أي: أنكرهكم على التزام هذه الرّحمة العظيمة، الّتي هي دين اللّه الذي اصطفاه لكم، والحال أنّكم كارهون قبولها والالتزام بما جاء فيها؟!
استفهام إنكاريّ، أي: لا نلزمكم إيّاها، ولا نجبركم عليها، إذ أنتم في رحلة امتحان وابتلاء، عن طريق اختيارتكم الحرّة، والإكراه لا يعقل في الدّين، القائم على الإيمان الّذي هو في جذره اختيار إراديّ قلبيّ، ذو آثار في السّلوك الظّاهر.
القضيّة السادسة: دلّت عليها آية: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) :
في هذه الآية تلخيص غاية في الإتقان البيانيّ والإيجاز، مع ما فيه من إبداعات بلاغيّة.
لم يقل نوح عليه السّلام: إنّ رفضكم لرسالتي لا سند له من موازين الفكر ومحاكماته، بل هو تعجّب قائم على إنكار ما لم تألفوا.
إنّما عرض هذا المعنى نفسه مغلّفا بصيغة استفهام، فقال لهم: أَوَعَجِبْتُمْ؟!