معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 328
ودلّنا حرف العطف بعد همزة الاستفهام في هذه العبارة، على أنّه يوجد معطوف عليه مقدّر ذهنا بين الاستفهام وحرف العطف (الواو) ومن السّهل على المتدبّر أن يدرك هذا المحذوف المقدّر.
إنّهم كرهوا ترك ما هم عليه، واتّباع ما جاءهم به نوح عليه السلام، وتعلّلوا لإنكار رسالته بإظهار التعجّب من أن يبعث اللّه بشرا رسولا.
ولمّا طووا في أنفسهم ما كرهوا ممّا يخالف أهواءهم، وهو ماثل في أذهانهم وفي قلوبهم، لم يذكره عليه السّلام في اللّفظ، لكن أشار إليه بحرف العطف"الواو"فأظهر ما أظهروا، وقدّر ما أبطنوا، مكتفيا بالإشارة الخفيّة إليه، وكان ذلك بذكر حرف العطف على معطوف عليه مقدّر ذهنا.
ولدى إظهار هذا المقدّر ذهنا أقول: أكرهتم ترك ما أنتم عليه، واتّباع ما جئتكم به، وعجبتم أن جاءكم ذكر من ربّكم على رجل منكم؟!!
أمّا المتعجّب منه فقضيّتان:
القضيّة الأولى: أن يأتيهم ذكر من ربّهم.
القضيّة الثانية: أن ينزل هذا الذّكر على رجل بشر منهم، ويكون هذا الرّجل رسولا للّه يبلّغ قومه الذّكر الّذي أنزله اللّه عليه، ليبلّغه لقومه.
إنّ نوحا عليه السّلام لم يطرح في هذا البيان قضيّة نبوّته ورسالته، بل طرح قضيّة الذّكر الّذي جاءهم به من ربّهم، ليكون هذا الذّكر ساحة فكريّة معروضة للمناظرة والمجادلة حول عناصرها.
ولمّا كان الذّكر الّذي يبعث اللّه عزّ وجلّ به رسله مشتملا على قضايا