فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 259

في هاتين الآيتين (44 - 45) التفت البيان القرآني إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، ويلحق به الدّعاة إلى اللّه من أمّته، إذا كانوا في مثل الموقف الذي نزلت فيه سورة (القلم) فبيّن اللّه عزّ وجلّ فيه الموقف الذي يجب أن يتّخذه تجاه المكذّبين بآيات التنزيل، وهو موقف تركهم للّه بارئهم، وعدم مصارعتهم، مع الاستمرار على العمل في طريق الدعوة إلى اللّه وإلى صراطه المستقيم.

إنّ الموقف هو موقف مراحل الدعوة الأولى، التي يجب فيها الصّبر على المكذّبين للرسول والمكذبين بالرّسالة والقرآن ويوم الدين، مع الدّأب في مجال الدعوة إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجب فيها أيضا عدم إثارة صراعات تتجاوز حدود التّبليغ، والبيان، والجدال بالّتي هي أحسن، وتجميع المستجيبين، وتربيتهم على أخلاق الإسلام وشرائعه، وتكوين الأمّة الإسلاميّة شيئا فشيئا، كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه.

إنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا هو المنهج الأمثل، إذ هو المنهج الرّبّانيّ، وهو المنهج الذي أثبتت التطبيقات النبويّة له أنّ ثمرته أعظم الثمرات وأكثرها وأثبتها وأدومها.

ثم بمقدار ما التزم الدّعاة إلى اللّه والتنظيمات الإسلاميّة بهذا المنهج الرّبّانيّ كانت تأتي ثمرات أعمالهم، فتزداد هذه الثمرات بازدياد هذا الالتزام، وتتناقص بتناقص هذا الالتزام.

أمّا الذين زيّنت لهم آراؤهم أن يخرجوا عن هذا المنهج، أو أن يختاروا لأنفسهم مناهج أخرى، كإثارة الصراعات المادّيّة، قبل استكمال مرحلة بناء الأمّة الإسلامية القادرة على المواجهات المادّية المهيّأة بأسبابها المادّيّة والمعنويّة للظفر، ضمن سنن اللّه في كونه، فقد باءوا بالفشل والخيبة، وأجهضوا ما بني منها، وهي في المرحلة الجنينيّة، أو قتلوها، أو عرّضوها للاستئسار وهي في مرحلة الطفولة، أو المراهقة، أو اليفاع، ولم تصل بعد إلى مرحلة الرّجولة القادرة على الدّفاع أو الغلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت