معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 260
إنّ الصّبر على المكذّبين مع استمرار الدّأب على الدعوة إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالّتي هي أحسن له أثران عظيمان:
الأثر الأول: الاستدراج إلى مواقع الاستجابة للدّعوة، وقبول منطقها، والاهتداء بهداها.
فمن شأن الصبر مع الدّأب على العمل إقناع الفريق الرافض المكذّب، بأنّ الدّاعي إلى اللّه صادق في دعوته حقّا، وأنّه لا هدف له إلّا خير من يدعوهم، وليس له من وراء دعوته مصلحة شخصيّة دنيويّة، وهذا أمر يهدم لدى الرافض المكذّب عنف النّقمة والعداء، فمن كانت لديه من المكذّبين بزور خير نبتت ونمت، فاتّجهت نباتاتها نحو الضّوء، ثمّ امتدّت منجذبة إليه.
فإذا بالّذي كان سابقا مكذّبا معاديا، يغدو منجذبا في اتّجاه النور، ولا يزال النور يستدرجه شيئا فشيئا حتّى يكون من المستجيبين المتابعين.
وهذا ما حصل فعلا لكثير من الذين كانوا مكذّبين للرّسول ومكذبين برسالته، وبآيات التنزيل الرّباني. لقد استدرجهم الصبر والدّأب، والمثابرة على الدعوة إلى اللّه، والبيان الملائم لأحوال المدعوّين، واتّخاذ وسائل الإقناع والترغيب والترهيب، إلى مشرق نور الحق، وصدق دعاته، فاستجابوا واهتدوا.
فصار كثير من قادة جيش الكفر وجنوده بالأمس، قادة وجنودا في جيش الإسلام بعد ذلك.
الأثر الثاني: اغتنام الوقت وكسبه لبناء الأمّة الرّبّانيّة، وتدعيم أركانها، وشدّ أواصرها، وإعداد جيشها، لتكون قادرة على مواجهة أعدائها إذا حزب الأمر، ودعت الضّرورة للمواجهة المادّيّة المسلّحة.
فإذا تمّ الإعداد المرشّح للانتصار والظّفر، ظهر أنّ كيد الإمهال كيد متين وإن طال حبله، فالظّافر هو الظافر أخيرا.