فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 445
نوح يوما من أيّام الإمهال الرّبّاني، المعادل لنحو ألف سنة ممّا يعدّ الناس، فقد جرى إهلاك أقوام من بعدهم بعد إمهالهم ساعات من هذا اليوم الرّبّاني.
وقد أسقط اللّه عزّ وجلّ الدّولة الشّيوعيّة الرّوسيّة العظمى، بعد أن أمهلها قرابة أقلّ من ساعتين من ساعات أيّامه التي يعامل بمقتضاها عباده.
* وإمّا أن يقولوا أقوالا أخرى، ولكلّ قول من أقوال أهل الكفر ردّ يسقطه ويظهر بطّلانه.
فمن الغباء، وقلّة العقل، مع انطماس البصيرة باتّباع الأهواء والشهوات ووساوس شياطين الإنس والجنّ، أن يكون النّاس بسبب إمهال اللّه لهم، في أمن من أن يجري فيهم سنّته التذكيريّة التأديبية أوّلا، ثمّ الإهلاكيّة الشاملة المقرونة بعذاب شديد، كما أجراها في أهل القرون السالفة.
إنّ سلوك الكافرين هذا سلوك يستثار حوله العجب الشديد، ويوجّه له الاستنكار والتأنيب، قبل تسليط عصا التأديب، فقوارع الإهلاك الشّامل المقرون والمسبوق بعنيف من التعذيب.
* أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ؟! (99)
هذا الاستفهام نظير الاستفهامين في الآيتين السابقتين في دلالته، إلّا أنّه يلفت النظر إلى قضيّة المكر الرّبّاني، الّذي من عناصره أن يمهل اللّه عزّ وجلّ عباده، وأن يزيدهم من عطاءات النّعم الوفيرة، بعد أن يذكّرهم بعوارض البأساء والضّرّاء رغبة في أن يتضرّعوا ويتوبوا إلى بارئهم، فإذا لم يفعلوا رفع اللّه عزّ وجلّ عنهم بحكمته هذه العوارض وأملى لهم، وأمدّهم بوافر النّعم، حتّى إذا تمادوا في غيّهم وإفسادهم في الأرض أخذهم بغتة بالعذاب الشديد، وبالمهلكات الشّاملات، فقطع دابرهم.