فهرس الكتاب

الصفحة 2539 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 444

إنّ إهلاك السّابقين قد كان بتأثير ظواهر طبيعيّة في الكون، ولم يكن أثر قصد حكيم، وعقاب وانتقام من ربّ قاهر جبّار مهيمن على كلّ صغيرة وكبيرة في الكون وأحداثه عليم قدير، لا يجري شيء في الكون إلّا بقضائه وقدره وأمره، أو إذنه وتمكينه.

فهم إذن يجحدون ربوبيّة الرّبّ الخالق، أو يجحدون بعض صفات ربوبيّته، فمناظرتهم تنقل إلى إثبات ما يجحدونه من ربوبيّة اللّه جلّ جلاله.

* وإمّا أن يقولوا: لقد غيّر اللّه سنّته، بعد أن أصبحت الأمم أمما حضاريّة ذوات علم بقوانين الطبيعة، وقدرة على تنظيم أمورهم المعاشيّة، ومكافحة الأمراض وأسبابها، وهي الّتي كانت تنجم عمّا كان يسمّى محرّمات ومحظورات في الأديان القديمة، ولم يبق حالها كأحوال الأمم البدائيّة القديمة، الّتي كانت تأتيها الكوارث والمهلكات العامّات الشّاملات.

والرّدّ على هذا يكون بإثبات أنّ سنن اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه في عباده ثابتة، لا تبديل لها ولا تحويل، وأنّ الأمم الحضاريّة تتعرّض دواما لأن تطبّق فيها سنن اللّه عزّ وجلّ، ولو على أيدي الناس، كما حصل في الحرب العالميّة الأولى، والحرب العالميّة الثانية، والحروب القارّيّة والإقليميّة غير الشّاملة، والكوارث الّتي تحدث حينا فحينا، والأمراض والأوجاع الّتي لم تكن في القرون السّالفة، وتحار الدّول الحضاريّة في أن تجد وسيلة للقضاء عليها، فلا تجد إلّا بالتزام أحكام دين اللّه للناس.

على أنّ تاريخ البشريّة في حكمة اللّه وسننه الدّائمة لا يقاس بعشرات السنين، ولا بمئاتها أحيانا، وذلك لأنّ اليوم في حساب الإمهال والحلم الرّبّاني، قد يكون بنحو ألف سنّة ممّا يعدّ الناس بحسب نظام الأرض، فالسّاعة من هذا اليوم تقدّر بنحو أربعين سنة.

وإذا كان إهلاك قوم نوح عليه السّلام، قد حصل بعد إمهالهم مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت