فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 266

لدى التأمّل ينكشف للباحث أنّ الحكمة من تنزيله متأخّرا في العهد المدنيّ، ووضعه في سورة (القلم) الّتي هي من أوائل التنزيل المكي، إرادة بيان منهاج الدّعوة في أوائل مراحلها، وواجبات الداعي إلى اللّه تجاه ما يلاقيه من الذين يرفضون دعوته ولا يستجيبون لها.

فالنصّ موجّه في الخطاب الظاهر للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الذي كان متحقّقا بمضمونه قبل أن يخاطب به، لكنّه موجّه بصفة عامّة لكلّ الدّعاة إلى اللّه من بعد الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ليلتزموا به.

فواجبات الداعي إلى اللّه الّتي اشتملت عليها سورة (القلم) والّتي يجب على الدّعاة إلى اللّه الالتزام بها بعد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تستدعي أن تشتمل على الأمر بالصّبر لحكم اللّه، لكنّ خلق الرسول العظيم لم يكن بحاجة لتوجيه مثل هذا الأمر له، أمّا من سيأتي بعده من الدّعاة فإنّهم لا يملكون في فطرتهم خلقا عظيما مثل خلقه، فهم بحاجة إلى الأمر بالصّبر لحكم اللّه منذ المرحلة الأولى من مراحل دعوتهم إلى اللّه.

فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذا النجم في العهد المدنيّ من سيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، بعد أن حقّق الرسول مضمونه وانتهت المرحلة، لنعلم أنّ هذا النّصّ موجّه لكلّ الدّعاة بعد الرسول، فمن واجباتهم الصّبر لحكم اللّه منذ أوّل مراحل دعوتهم إلى اللّه، وإلى صراطه المستقيم.

وقد وضع في المكان المناسب له تماما، مع النصوص المنزّلة في أوائل مراحل الدعوة، فتحقّق بهذا الإجراء الغرضان، وعلم أنّ خطاب الرسول فيما لم يكن من خصوصيّاته هو خطاب لأمّته.

هذا الأسلوب هو من روائع أساليب الأداء البياني، وخلاصته تأخير خطاب الرّسول بالنصّ الذي يتضمّن تكليفا، إلى ما بعد تحقيق الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم مضمونه دون تكليف، للإشعار ضمنا بأنّ المقصود خطاب الدّعاة إلى اللّه من أمّته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت