معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 267
* فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ....
قد نفهم من هذه الجملة الأمر بالصبر على كلّ المكاره الّتي تمسّ الداعي إلى اللّه وهو في طريق دعوته، كالتكذيب بما يدعو الناس إليه، والإعراض أو الإدبار والتولّي عنه، وكاتّهامه بما يسوؤه حتّى بالجنون، وكإيذائه وشتيمته والإضرار به، وسجنه وضربه وغير ذلك.
وحكم اللّه في تمكين غير المستجيبين لمواجهة الدّاعي إلى سبيل ربّه يخضع لقوانين القضاء والقدر، وسنّة اللّه العامّة في خلقه.
لكنّ تعدية فعل الصّبر قد جاءت في معظم الآيات القرآنية بحرف"على". مثل: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ*- وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ وهذا هو الأصل في الاستعمال.
فما الحكمة هنا من تعدية فعل الصّبر بحرف"اللّام"؟
بالتأمّل يتبيّن لنا أنّ فعل الصّبر هنا تضمّن معنى التسليم لحكم اللّه، وهذا التسليم يلائمه حرف اللّام، والتقدير: فاصبر مستسلما لحكم ربك.
وهذا التضمين من أساليب القرآن البيانيّة البديعة.
وحين نبحث في أحكام اللّه الدّعويّة التكليفية الموجهة للداعي إلى سبيل ربّه، نجد فيها تكليفه أن يستمرّ في تذكيره ولا يتركه يائسا، ما دام احتمال نفع تذكيره موجودا، ولو بنسبة ضئيلة قليلة، فترك التذكير لا يكون إلّا بعد التحقّق من كون المدعوّ حالة ميئوسا منها، دلّ على هذا الحكم قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأعلى/ 87 مصحف/ 8 نزول) :
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (10) .
أي: فعلى الداعي إلى اللّه أن يتابع تذكيره بما سبق أن بلّغه ولو كان احتمال نفع تذكيره احتمالا ضعيفا، إذ جاء في الآية حرف الشرط"إن"الذي يستعمل غالبا في الأمر المشكوك فيه.