معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 490
وغرضهم من إعلان هذا الدّعاء إعلان ثباتهم على إيمانهم، وعدم تأثّرهم بالعقاب الذي توعّدهم به فرعون، وأنّهم سيتلقّون عقابه لهم بالصّبر، وأنّهم يسألون ربّهم أن يتوفّاهم مسلمين، أي: مؤمنين مسلمين، لأنّ الإسلام الحقيقيّ عند اللّه، لا بدّ أن يكون مبنيّا على قاعدة الإيمان الصحيح.
* أمّا ثاني ردودهم على مواقف الوعيد الّتي وجّهها فرعون لهم، فيظهر أنّه الرّدّ الّذي جاء في سورة (الشعراء/ 26 مصحف/ 47 نزول) .
فبعد أن سمعوا تأكيد وعيده لهم بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وجعلهم مصلّبين يموتون صبرا، ردّوا عليه بما يدلّ على عدم اكتراثهم له، وعلى استعدادهم لتحمّل تعذيبه بصبر، إذ هو هيّن بجانب ما يطمعون أن ينالوه عند اللّه من مغفرة وكرامة وأجر عظيم، بسبب أنهم كانوا أوّل من آمن من المصريّين بدعوة الرّسولين موسى وهارون.
* وأمّا ثالث ردودهم على مواقف الوعيد الّتي وجّهها فرعون لهم، فيظهر أنّه الرّدّ الّذي جاء في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) .
إنّ فرعون لمّا توعّدهم بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وقال لهم:
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى. (71) ردّوا عليه بجرأة الصّامدين الدّعاة إلى اللّه، دون اكتراث لوعيده، ولا تراجع عن الموقف الإيمانيّ الإسلاميّ الذي سبق أن واجهوه به.
لقد أيأسوه من أن يؤثّر عليهم بوعيده الشّديد لهم، فقالوا له: لن نؤثّر باطلك على الحقّ الذي جاءنا من ربّنا، ولن نؤثرك على ربّنا الّذي فطرنا، فلا تطمع بتهديداتك، ووعيدك لنا، في أن نتراجع عن موقفنا، فأمض ما أنت ممضيه من أوامر ينفّذها جنودك، ولا تفاوضنا بشأن إيماننا وإسلامنا، إنّ غاية ما تمضيه بوسائلك، أن تنهي من ذواتنا هذه الحياة الدّنيا الّتي