معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 269
واجتمعوا بعد أن فرّقوا بين كلّ بهيمة وولدها، وجأروا إلى اللّه عزّ وجلّ باكين متضرّعين، ليصرف اللّه عنهم العذاب، فتاب اللّه عليهم، وصرف عنهم العذاب.
أمّا يونس عليه السّلام فإنّه إذ ذهب مغاضبا كان يظنّ أنّ اللّه عزّ وجلّ لن يضيّق عليه في المحاسبة، إذا انصرف عن قومه قبل أن يتلقّى الإذن من اللّه بهذا الانصراف.
وكان في طريقه إلى أهله بحر، وكان لا بدّ له من أن يركب فلكا إليهم، فركب فلكا مع قوم كعادة المسافرين في البحر، فلجّ البحر بهم واضطرب وماج، وثقل بمن فيه، حتّى كادوا يغرقون، ولم يجدوا وسيلة إلّا أن يخفّفوا عن الفلك بإلقاء أحدهم في الماء.
فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس عليه السّلام في ثلاث محاولات، فقذف بنفسه في البحر فالتقمه حوت أوحى اللّه إليه أن يلتقمه، فنادى في الظلمات: أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وحمله الحوت في فمه سجينا، وسار به بأمر اللّه إلى الشاطئ، ولمّا بلغ الشاطئ لفظه، ونبذه بالعراء وهو سقيم.
قال تعالى في هذا الدرس: إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ.
مكظوم: أي: محبوس في فم الحوت لا يستطيع الخروج منه، وقد يكون مغتاظا من نفسه إذ ترك قومه دون إذن من ربّه. يقال لغة: كظم الرّجل نفسه، إذا حبسه في صدره، فمعنى الكظم الحبس.
قال تعالى: لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) .
لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ: أي: لولا أن لحقته نعمة من ربّه، فأدركته بالإنقاذ قبل أن يهلك في فم الحوت.