معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 272
ومع هذا الإعجاب الشديد منهم بما يتلو عليهم من آيات القرآن يقولون عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّه لمجنون.
وهذا منهم تناقض واضح فاضح، كيف يحسدونه حسدا شديدا إعجابا بما يتلو عليهم، ويتّهمونه مع ذلك بالجنون، إنّ المجنون لا يحسده العاقلون.
إنّهم متناقضون بين حالهم ومقالهم.
وقد جاء الخطاب في هذا الدّرس موجّها من اللّه لرسوله تسلية وتطمينا لنفسه وقلبه، بأنّ متّهميه بالجنون غير مصدّقين لأنفسهم في هذا الاتّهام، بل يطلقونه إطلاقا كيديّا، لصدّ جماهيرهم عن الإيمان بالرّسول واتّباعه، إذا أدركوا من عظمة آيات التنزيل مثل ما أدرك قادتهم.
وهو في الوقت نفسه يبيّن لأصحاب المقالة بأسلوب غير مباشر أنّهم مكشوفون، وأنّ مكيدتهم ساقطة غير مقبولة لدى عقلاء الناس.
وَإِنْ يَكادُ:"إن"مخفّفة من الثقيلة"إنّ"فهي مؤكّدة للجملة، والدليل على أنّها المخففة من الثقيلة وجود اللام المزحلقة في الجملة، وهي في الأصل"لام"الابتداء التي يؤتى بها للتوكيد، و"إن"هنا مهملة عن العمل، وتفيد التأكيد.
الَّذِينَ كَفَرُوا: هم المكذبون أنفسهم الذين تحدّثت السّورة عنهم، وجاء الحديث عنهم هنا بعنوان"الَّذِينَ كَفَرُوا"للدّلالة على أنّ المكذّبين بالرّسول والقرآن كافرون، وللدّلالة على أنّ تكذيبهم مقرون بسترهم الأدلّة البرهانية القائمة في عقولهم على أنّ محمّدا رسول اللّه حقّا، وعلى أنّ القرآن كلام منزّل من ربّ العالمين، إذا أصل الكفر في اللّغة السّتر.
لَيُزْلِقُونَكَ: أي: ليجعلونك تزلّ وتسقط عن موقفك انزلاقا، كما ينزلق من داس على دهن أو طين زلق.
بِأَبْصارِهِمْ: أي: بما تطلقه أبصارهم من قوّة خفيّة ذات أثر في