معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 273
المادّيات والمعنويات، وهذه القوّة تطلقها الأنفس الحسودة، ولكنّ اللّه عزّ وجلّ وقى رسوله من تأثير أبصار حاسديه.
لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ: أي: حين سمعوا شيئا من آيات القرآن المجيد، سمّى اللّه القرآن ذكرا لأنّ المطلوب من الناس بالنسبة إليه أن يتبلّغوه ويتدبّروا معانيه، ويجعلوها في ذاكراتهم للعمل بما جاء فيها.
وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ: أي: يحسدون الرسول حسدا شديدا في حال تداولهم بتكرار مقالة: إنّه لمجنون، وهذا تناقض منهم ظاهر.
ولمّا كان القرآن يحمل تأثيرا عالميّا على كلّ الناس، وقد أنزله اللّه للناس أجمعين، بخصائص تؤثّر على كلّ الشعوب والأقوام، ولا يقتصر تأثيره على أهل مكّة وما حولها، ولا على العرب الذين نزل بلسانهم، وأنّه مؤهّل لأن يؤمن به من كلّ الشعوب والأقوام العقلاء المنصفون، كان من الحكمة إشعار المكذبين به من كبراء مكّة أنّه ذكر لجميع العالمين، ولئن كفر به هؤلاء فسيؤمن به آخرون من كلّ شعوب الأرض، فأمر الإيمان به ليس متوقفا على هذه الحفنة من الناس التي كفرت به من كبراء مكّة.
فقال اللّه عزّ وجلّ:
وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (52) .
فمع ما في هذا من بيان حقيقة عموم الرسالة المحمّديّة، وأنّه مرسل للناس أجمعين، ففيه إيماء إلى أنّ الذين كفروا بالقرآن من أهل مكّة قليلون جدّا، بالنسبة إلى الذين سيؤمنون به، متّى أدركوا إعجازه وعظمة ما اشتمل عليه من علم وهداية.
تأثير الإصابة بالعين:
(1) دلّ قول اللّه عزّ وجلّ في هذا الدرس الأخير من دروس السورة خطابا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم: