فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 551
فكيف نفهم أنّ بعض ما جاء في الألواح الّتي كتبها اللّه لموسى أحسن من بعض، وأنّ بعض ما جاء في القرآن المجيد أحسن من بعض؟
أقول: تتوارد على أذهاننا في الإجابة على هذا السؤال عدّة احتمالات، أولاها بالاعتبار أنّ الأوامر والنواهي الدّينيّة في القرآن، وفيما كتب اللّه عزّ وجلّ في الألواح لموسى عليه السّلام، قسمان بالنسبة إلى المطلوب فيها:
القسم الأوّل: هو الأحسن، وقد أمر اللّه به أمر إيجاب وإلزام فعلا كان أم تركا، فأحبّ الأعمال إلى اللّه أن يطيعوه فيما فرض عليهم أن يفعلوه، وفيما فرض عليهم أن يتركوه، فهي الأحسن.
القسم الثاني: هو الحسن، وقد أمر اللّه به أمر ندب وترغيب، دون إيجاب وإلزام، فعلا كان أم تركا.
فهذه نوافل حسنة يتقرّب بها العبد إلى ربّه، وفي هذا القسم يتسابق ويتنافس طالبو المراتب العليّة عند ربّهم من الأبرار والمحسنين.
وعلى هذا فمعنى قول اللّه عزّ وجلّ لموسى عليه السلام: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها وأمر قومك أمر إلزام وإيجاب ليأخذوا بأحسنها، وهي الفرائض الّتي ألزمهم اللّه بفعلها، والمحرّمات الّتي ألزمهم بتركها.
أمّا الأشياء الحسنة الأخرى، فادعهم إلى الأخذ بها ترغيبا وندبا، ليتسابق المتسابقون منهم في الخيرات على اختلاف رغباتهم وهمّاتهم، وتطلّعاتهم بشوق إلى المراتب العليّة عند اللّه.
أمّا موسى عليه السّلام فقد كان مكلّفا إلزاما بأن يأخذ بالأحسن وبالحسن، لأنّ اللّه عزّ وجلّ قال له: فَخُذْها بِقُوَّةٍ أي: فخذها جميعا بقوّة.