معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 592
ويظهر أنّ اللّه جلّت حكمته قد أوحى به إلى موسى عليه السّلام، وأنّ موسى قد بلّغه لقومه، وهو بيان له مع ذلك صفة الحكم المستمرّ، لكلّ من يشرك باللّه وثنا أو غيره، ولكلّ من يفتري على اللّه الكذب في الدّين، ما دام في الأرض ممتحنون مكلّفون، ولكلّ من يتوب من كفره ويؤمن فإنّه يلقى اللّه غفورا رحيما ما دام في رحلة الامتحان، ولم يقفل باب التوبة.
إنّ العقوبة المعجّلة في الدّنيا الّتي قضى اللّه عزّ وجلّ بها على الّذين اتّخذوا العجل من بني إسرائيل ذات أثرين:
الاثر الأول: أنّهم سينالهم غضب من اللّه في الحياة الدنيا.
الأثر الثاني: أنّهم ستنالهم ذلّة بقضاء اللّه وقدره، في الحياة الدنيا أيضا.
دلّ على هذين الأثرين قول اللّه تعالى في النصّ:
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ... (152) :
أي: سيصلهم حتّى يمسك بهم غضب من ربّهم وذلّة في الحياة الدّنيا.
يقال لغة: نال الشيء فلانا، أي: وصل إليه، فإذا كان هذا الشيء ممّا يمسك ويعلق أمسك به وعلق.
الغضب: صفة من صفات النفس من آثارها الانتقام والعقوبة.
الذلّة: الضّعف والهوان.
وقد أنزل اللّه عزّ وجلّ بالّذين اتّخذوا العجل من بني إسرائيل في عهد موسى العقوبة الشّديدة، وهي القتل، وأنزل بهم الضّعف والهوان.
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) :