معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 628
التدبّر التحليلي:
قول اللّه تعالى:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ... (158) :
يأمر اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه بهذه العبارة رسوله محمّدا صلى اللّه عليه وسلم بأن ينادي النّاس جميعا، بأنّه رسول اللّه إليهم.
وبأسلوب غير مباشر يخاطب اللّه عزّ وجلّ النّاس جميعا بهذه العبارة، خطابا يتناول كلّ صالح منهم للخطاب بصورة إفراديّة، فيعلم كلّ فرد به أنّ محمّدا رسوله، فيجب عليه أن يؤمن به، وأن يتّبع ما أنزل اللّه عليه من آيات بيانيّة للنّاس ليعملوا بها، ويتّبعوا ما جاء فيها.
هذا الأمر للرسول الذي جاء في هذه العبارة لا يملك الرّسول إلّا أن يقوله ويعلنه، لأنّه أمر إلزاميّ فرض اللّه عليه أن يقوله.
لقد أمره اللّه عزّ وجلّ بأن ينادي النّاس جميعا بأبلغ أدوات النداء، فيعلمهم بجزم وتأكيد قائلا لهم: إنّي رسول اللّه إليكم جميعا، أي: دون استثناء قوم، أو شعب أو سلالة بشريّة، أو أيّ شخص من النّاس أهل للخطاب، ودون استثناء أيّ منتم لدين من الأديان السالفة.
وجاء التأكيد بلفظ جَمِيعًا لدفع توهّم احتمال استثناء بعض النّاس من الدّخول في عموم لفظ: النَّاسُ.
وجاء تأكيد الإسناد الخبريّ في الجملة ب"إنّ- والجملة الإسمية".
فكلّ من بلغه هذا النّداء، وكان أهلا لخطابات التكليف الرّبّانيّ، فهو مكلّف أن يؤمن بهذا الرّسول النبيّ الأميّ محمّد صلى اللّه عليه وسلم، وبما جاء به عن ربّه، ومكلّف أن يؤمن بآيات اللّه وكلماته الّتي أنزلها عليه، وأن يتّبعه مسلما مطيعا، وأن يتّبع ما أنزل إلى الناس من ربّهم.