معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 629
* الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ ... (158) :
هذه العبار تابعة لما أمر اللّه به رسوله محمّدا أن ينادي الناس به، وقد جاء في هذه العبارة وصف اللّه عزّ وجلّ بما يقتضي عقلا وجوب الإيمان بالرّسول الذي يرسله، إذا كان معه برهان صدق نبوّته ورسالته، ووجوب اتّباعه، ووجوب العمل بما جاء به عن ربّه من آيات وأحكام وتكاليف.
الصفة الأولى: دلّ عليها: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: أي:
هو المالك والملك للسّماوات والأرض وما فيهما ومن فيهما.
يقال لغة: ملك الشيء يملكه ملكا وملكا وملكا، إذ حازه، وانفرد بحقّ التّصرّف فيه، وكان له على الأحياء المدركة فيما ملك من ذوات العلم، سلطان الأمر والنّهي وسائر التصرّفات.
ومن كان له ملك السّماوات والأرض ومن فيهما، كان النّاس في الأرض عبيده، إذ هو مالكهم، وهو الملك ذو السّلطان عليهم، وهو ربّهم الّذي يمدّهم دواما بعطاءات ربوبيّته، ويهيمن عليهم بالابتلاء وبالمحاسبة والجزاء.
فيجب عليهم أن يؤمنوا برسوله إليهم، ويتّبعوه ويطيعوه، فإن لم يؤمنوا به كانوا عصاة كافرين باللّه، واستحقّوا العقاب الّذي قرّره وحكم به على من كفر برسوله.
الصّفة الثانية: دلّ عليها: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: أي: لا معبود في الوجود بحقّ سواه، سبحانه وتعالى عن الشركاء.
وذلك لأنّ من له ملك السّماوات والأرض، كان هو الرّبّ الذي يجب على عباده أن يعبدوه وحده، وأن لا يشركوا بعبادته أحدا، والّذي يجب على عباده أن يؤمنوا برسوله ويتّبعوه.