معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 644
الوجه الثالث: أقول: العبارة تحتمل معنى آخر، وهو أن يكون الغمام الّذي جعله اللّه فوقهم مباشرة، قد كان غماما رقيقّا غير كثيف، فظلّله اللّه عزّ سلطانه، بغمام كثيف فوقه، ليكون الغمام القريب منهم باردا، إذ جعل فوقه غماما مظلّلا له، يستره من أشعّة الشّمس الحارّة، وهذا من عناية اللّه عزّ وجلّ بهم.
وجاء في الإصحاح التاسع من سفر العدد عند بني إسرائيل:"أنّ السّحابة كانت علامة لهم على الحلّ والتّرحال، فإذا ارتحلت السّحابة عن خيمة الشّهادة ارتحلوا، وإذا أقامت أقاموا."
لكنّ النّصّ القرآني يدلّ على أنّ الغمام كان يظلّلهم جميعا، ولم يكن خاصّا بخيمة الشهادة.
وإن صحّ ما كتبه الإسرائيليّون، فهو محمول على سحابة خاصّة، غير الغمام العامّ، الّذي كان يظلّل من أشعّة الشّمس عموم بني إسرائيل في سيناء.
القضية الرابعة: قول اللّه تعالى في (الأعراف) : وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى بالحديث عن الغائبين.
وقوله تعالى في (البقرة) : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ... (57) بأسلوب خطاب بني إسرائيل امتنانا عليهم. وقد سبق بيان الحكمة.
وَأَنْزَلْنا: عطاءات اللّه لعباده كلّها إنزال من فيوضات آثار رحمته العليّة جلّ جلاله، ولو كانت غير نازلة من السّماء، بل هي موجّهة لهم من الأرض وأجوائها وبحارها.
الْمَنَّ: رزق كان يسقط لهم على وجه الأرض كالنّدى، وهو يشبه القشور، ويتجمّع كالجليد على الأرض، وقد جعله اللّه لهم بدل الخبز، وطعمه كطعم رقاق خبز بعسل.