معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 288
و"أل"في كلمة"الحمد"هنا استغراقيّة تعمّ كلّ أجناس الحمد وأنواعه وأصنافه وأفراده.
والحمد للّه يتناول تمجيده بصفاته الوجودية التي هي من ذاته، وبصفات أفعاله، فيشمل الثناء على اللّه عزّ وجلّ بكل صفاته وأسمائه الحسنى ما علمنا منها وما لم نعلم.
ويتناول أيضا تنزّهه جلّ وعلا عن كلّ الصفات التي لا تليق بجلاله ما علمنا منها وما لم نعلم، فله الحمد لبراءته منها وتنزّهه عنها.
للّه: اللّام الجارّة هنا هي بمعنى الملك أو الاختصاص. وكلمة (اللّه) علم في اللّسان العربيّ على خالق الكون الأزليّ الأبديّ الذي لا أوّل له ولا آخر، فهو الأوّل والآخر.
و (الحمد) مبتدأ، و (للّه) خبر، ونقول بحسب الصناعة النحويّة:
جارّ ومجرور متعلقان بمحذوف هو الخبر.
فمعنى عبارة الْحَمْدُ لِلَّهِ كلّ الحمد ما نستطيع تصوّره وما لا نستطيع تصوّره على صفات ذات اللّه وصفات أفعاله، وعلى براءة اللّه من كلّ الصفات الّتي لا تليق بجلاله هو للّه ملكا أو اختصاصا.
ويلزم من كون كل الحمد للّه تفرّده بهذا الحمد، فلا يشاركه في كمال الحمد شيء في الوجود، وهذا يتضمّن الإعلان عن توحيد اللّه في ذاته وفي صفاته وأسمائه الحسنى.
بهذه الجملة القصيرة يعلّمنا اللّه كيف نحمده تعالى ونثني عليه جلّ جلاله، فنحن بوصفنا بشرا محدودي المدارك، لا نستطيع أن ندرك من كمالات اللّه إلّا على مقدارنا، إذن فنحن لا نستطيع أن نحصي الثناء عليه بما هو له أهل على وجه التفصيل، لكن نستطيع أن نقول: كلّ الحمد الذي يمكن أن يحمد به اللّه هو له وحده لا يشاركه فيه أحد، ولدى اختصار هذه العبارة إلى أقل الكلمات الدّالّات عليها نقول:"الحمد للّه".