فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 690
بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ. (61)
لكن من ترك الملّة منهم وابتعد عن خبائثهم فإنّه ينجي نفسه من هذه العقوبة الرّبّانيّة المعتادة، والّتي تأتي لبني إسرائيل حينا فحينا كلّما ظلموا وأفسدوا في الأرض، وتجبّروا وطغوا وبغوا.
وتدلّ عبارة: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ ... بمفهومها العامّ على أنّ هذا البعث يكون عقب قيامهم بإفساد في الأرض، وتماد في الشرّ إلى حدّ ليس من الحكمة معه الإمهال، وتأخير العقاب، فيكون عقابهم بأن يسلّط اللّه عليهم من يسومهم سوء العذاب.
* إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ ...: من سنّة اللّه في عباده الإمهال، فالمراد بسرعة العقاب- واللّه أعلم- إنزاله سريعا بهم بعد تفاقم شرورهم، واقتضاء الحكمة معاقبتهم، فإذا قضى اللّه العقاب أنزله بسرعة، والمعاقبون غافلون غير مترقّبين إنزاله فيهم.
* وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ هذه العبارة تعطي بني إسرائيل على تتابع أجيالهم أملا بأنّهم إذا آمنوا بمحمّد وما أنزل اللّه عليه، واستقاموا، وأصلحوا، ولم يقوموا بما يقتضي عقابهم، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يرفع عنهم تسليط من يسومهم سوء العذاب، فالنصّ بجملته ودلالاته العامّة يدلّ على أنّ هذا التسليط يكون عقابا لهم على ما يكون منهم من مقتضيات له، فإذا لم يوجد هذا المقتضي لم يسلّط اللّه عليهم من يسومهم سوء العذاب، كما كان حالهم في ظلّ الدّولة المسلمة إذ كانوا أهل ذمّة.
وجاءت هذه العبارة مؤكّدة ب"إنّ- والجملة الإسمية- واللام المزحلقة)."
غفور: أي: كثير المغفرة وعظيمها، إذ صيغة"فعول"من صيغ المبالغة والتكثير. المغفرة: ستر الذنوب الذي يستلزم عدم المؤاخذة عليها.