معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 293
فللّه عزّ وجلّ الرّبوبيّة المستمرّة الّتي لا تنقطع، والمؤثرة بكلّ شيء في الكون، من غيبيّ ومشهود، مادّيّ ومعنويّ.
فلا تأخذه سبحانه سنة ولا نوم، ولا يخرج عن علمه وهيمنته وسلطانه وكلّ عناصر ربوبيته صغير في الوجود مهما صغر، وكبير مهما عظم وكبر.
وفي عبارة رَبِّ الْعالَمِينَ اعتراف وإعلان ضمني عن طائفة من صفات اللّه وأسمائه الحسنى، ذوات العلاقة بالعالمين ذوي العلم والعقل.
ويلزم من كونه ربّهم وهو العليم الحكيم الذي يفعل ما يشاء ويختار، أن يكون قد خلقهم بصفاتهم الّتي هم عليها، ليبلوهم في ظروف الحياة الدنيا، ثمّ ليجازيهم بعد رحلة امتحانهم في حياة أخرى تكون في يوم آخر غير يوم الحياة الأولى، وهذا اليوم الآخر من المناسب أن يطلق عليه عنوان"يوم الدّين"أي: يوم الحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء.
ثم إنّ الابتلاء يقتضي أن يرحم اللّه الممتحنين بإنزال موادّ امتحانهم، وبعث الرّسل لهم، وإنزال الكتب لهدايتهم، ومعاملتهم بالتيسير ورفع الحرج، والعفو والغفران،
فجاء قول اللّه عزّ وجلّ:
* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
الرّحمن: صفة مشبّهة مأخوذة من الرّحمة، وهي مبنيّة على وزن"فعلان"للمبالغة، أي: لإرادة التعبير عن عظيم رحمته البالغة الغاية.
قالوا: وهذا الاسم من أسماء اللّه الحسنى خاصّ باللّه تعالى، فلا يستعمل في وصف غيره، فأشبه أن يكون علما.
ومعنى الرحمة في المخلوق رقّة في القلب تدفع الرّاحم إلى الإحسان والإنعام والمشاركة الوجدانية لذي حاجة أو ألم استثارها.