معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 28
تمهيد:
هذا النصّ يكشف حال من سبق أن تلقّى آيات اللّه المنزّلات في الشرائع الربّانيّة السابقة لما أنزل على رسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، من يهوديّ أو صابئيّ أو نصرانيّ أو غيرهم، وبعد أن تلقّاها واحتوت عليه، كما يشتمل جلد الحيوان على كلّ جسمه، انسلخ منها، فلم يعمل بها، فعرّض نفسه لوباء الشّيطان، فأتبعه الشّيطان مغويا مضلّا، فتأثّر به فغوى، فكان من الغاوين.
التدبّر التحليلي:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ اتل: فعل أمر موجّه للرّسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أوّلا، فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته، على سبيل الخطاب الإفرادي.
فعل:"تلاه يتلوه تلوّا"أي: تبعه فهو"تال له"أي: تابع له، واستعمل فعل"تلا يتلو تلاوة"في تلاوة القرآن، بمعنى النّطق به، مع تتبّع حروفه وكلماته كما أنزله اللّه، فإذا كانت التّلاوة تتبّعا للمكتوب منه فهي قراءة.
والضمير في عَلَيْهِمْ صالح لأن يراد به كلّ من يصلح لأن يتلى عليه القرآن من مؤمن وغيره، والظاهر أنّ المؤمنين أولى من غيرهم بأن يتلى عليهم نصّ هذا الدرس من دروس السورة، إذ يتحدّث عن قصص الّذين أتتهم آيات اللّه فآمنوا بها، ولبسوها كجلودهم، ولكن لم يطل بهم العهد حتّى انسلخوا منها.
والغرض تحذير المؤمنين من أن ينسلخوا من آيات اللّه كما انسلخ منها الّذين من قبلهم، وهم اليهود والنصارى وأمثالهما، إذ تخلّوا عن اتّباع آيات اللّه المنزّلات على رسلهم، والعمل بها.