معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 38
إنّ هذا المنسلخ من آيات اللّه قد استعمل حرّيّة إرادته بإيثار الحياة الدنيا، واتباع أهوائه وشهواته للاستمتاع بأنواع متاع الدنيا، ولم يعمل بما يحقّق له السّعادة الحقيقيّة في الدنيا والآخرة، مع علمه بذلك، فآيات اللّه بدلالاتها قد كانت محيطة به كإحاطة جلده به، وكان ملتصقا بها وممتحنا بتطبيق مضمونها، وحين أحسّ بثقل التكاليف على نفسه، انسلخ منها.
ودلّت عبارة: وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ على أنّه اطمأنّ إليها، ولازم انحطاطها، وآثر شهواته ولذاته وأهواءه منها، وآثر أنواع متاعها العاجل، غير متعال إلى سماوات الكمالات، وغير ساع إلى مرضاة العليّ المتعالي.
وهنا يطوي النّصّ تساؤلا يقدّمه المتفكّر بشأن هذا المنسلخ من آيات اللّه، ومضمون هذا السّؤال:
هل حقّق هذا المنسلخ من آيات اللّه، بإيثاره الحياة الدّنيا، وإخلاده إلى الأرض، واتّباعه هواه، ما كان يصبو إليه من متاع الحياة الدّنيا.
ويأتي الجواب الرّبّانيّ فيدلّ بإشاراته الأدبيّة الرّفيعة، على أنّه لم يحقّق ذلك لنفسه، بل استمرّ يتابع أهواءه وشهواته، ويلاحقها دواما، في كدّ لاهث، يتناول فيه رذاذ لذّات عابرات، بينما هو في محيط من الكدّ والكدح والملاحقة، كملاحقة أمواج البحر لسفح الجبل، بغية أن ترتقي إلى أعلاه، فتتكسّر على صخراته، ويستمرّ هذا اللّاهث يعاود محاولاته دون أن يروي ظمأه ممّا يصبو إليه.
وأحر بهذا الكادح الكادّ اللّاهث، الّذي يبتغي الوصول إلى ما يشتهي من متاع الحياة الدّنيا وزينتها، متّبعا هواه، أن يكون مثل كدّه، ولهثه فيه، وأن تكون صورة حياته النفسيّة، وصورة حياته المعاشيّة:
كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ.