معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 37
خلع الدّرع الّذي كان يقيه من شرّ عدوّه الأكبر، إبليس وجنوده ودلّت عبارة: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ على أنّ الشيطان قد عدا إليه بسرعة فائقة، لمّا رآه قد انسلخ من إيات اللّه، حتّى لحقه، وأخذ يوسوس له ويسوّل ويزيّن له الشّرّ، ويستدرجه، ويدلّيه بغرور.
ودلّت عبارة: فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ على أنّ هذا المنسلخ من آيات اللّه قد استجاب بإرادته الحرّة لوساوس الشيطان وتسويلاته، حتّى كان من فئة الغاوين، الضّالين، الفاسدين الخائبين.
ومتى صار المخلوق الممتحن في ظروف الحياة الدنيا من الغاوين بإرادته الحرّة، ردّه اللّه بسبب غوايته إلى أسفل سافلين، فاستقرّ في حضيض أهل الكفر والطّغيان، والظّلم والعدوان.
وقد كان هذا بإمكانه وهو حرّ الإرادة أن يرتفع بآيات اللّه، لو التزم بما لها من وقاية وحماية، وحافظ على أن تكون بمثابة جلده المحيط بكلّ جسده، إيمانا وعملا، وإذا علم اللّه صدقه وابتغاء مرضاة ربّه، رفعه بها فجعله من الصّالحين، وأعلى منزلته في جنّات النعيم بمقدار ما يعلم من التزامه بآياته، وصدقه في ابتغاء مرضاته.
ودلّت عبارة: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها: على أنّ اللّه جلّ جلاله وعظمت حكمته لم يشأ رفعه بآياته، لأنّه لم يستحقّ هذا الرّفع وهو ممكّن باختياره الحرّ أن يرتفع، وليس من حكمة اللّه أن يرفع المتسفّلين بإرادتهم الحرّة، وهم موضوعون في الحياة الدنيا موضوع الابتلاء والامتحان.
ولو شاء اللّه رفعه لسلب منه الاختيار، ولجعله مجبورا غير مختار، وحينئذ لا يكون من الموضوعين في الحياة الدنيا موضع الابتلاء.
إنّ إرادات اللّه لا تتناقض فيما بينها، فلا يمكن أن يجعل عبده حرّ الإرادة ممتحنا، في الوقت الذي يجعله مجبورا مسلوب الإرادة الحرّة، هذا تناقض يستحيل عقلا أن يكون.