معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 64
وَبِهِ يَعْدِلُونَ: أي: وبمقتضى قواعد العدل، المستندة إلى قضايا الحق يعدلون، بحسب اجتهادهم، وعلى مقدار استطاعاتهم البشريّة.
وكونهم بالحقّ يعدلون يدلّ على أنّهم يعدلون بمقتضى كونهم حكّاما أو قضاة بين الناس، وهذا يقتضي باللّزوم العقليّ أن تكون لهم سلطات ولايات على الناس، أو سلطات قضاء بين النّاس، وهذا لا يكون للمسلمين إلّا إذا منحهم اللّه في الأرض الاستخلاف، المعان منه بمعونات غيبيّة.
وهذه الآية هي بمثابة وعد ضمنيّ من اللّه عزّ وجلّ، بأنّ أمّة محمّد الّذين آمنوا به واتّبعوه، سيستخلفهم اللّه عزّ وجلّ في الأرض، بالحكم والسّلطان، كما استخلف الّذين من قبلهم، ويكون ذلك بمعونة منه جلّ وعلا، إذا وجدهم في وضعهم الإيماني والسّلوكيّ، يستحقّون هذا الاستخلاف، وإذا علم- جلّ جلاله وعظم سلطانه- أنّهم إذا صاروا مستخلفين في الأرض، حملوا مهمّة الهداية إلى دين اللّه بالحقّ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل مجتمعهم بالحقّ والصّدق، وحكموا بين الناس بالعدل، المستند إلى قواعد الحقّ وضوابطه.
ويتحقّق هذا الاستخلاف حينما توجد في المسلمين نسبة كافية، نفسيّا، وعدديّا، وسلوكيّا، للقيام بواجباته، ولا يكون تطلّعهم للحكم والسّلطان في الأرض ابتغاء تحصيل متاع الحياة الدّنيا، والاستمتاع بزينتها، وإرضاء شهوات أنفسهم للحكم والسّلطان.
وقد تحقّق بفضل اللّه جلّ جلاله هذا الوعد الّذي جاء في هذه الآية ضمنا، وجاء صريحا واضحا في سورة (النور/ 24 مصحف/ 102 نزول) بقول اللّه عزّ وجلّ فيها خطابا للذين آمنوا بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلم، واتّبعوا ما أنزل إليهم من ربّهم:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ