معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 75
دين اللّه الحقّ، وهذا العلم يهديهم إلى أن يصدّقوا بآيات اللّه المنزّلات عليه.
الوجه الرابع: أنّ آيات اللّه الجزائيّة الّتي تضمّنت معاقبة المكذّبين من أهل القرون الأولى، بالإهلاك الشامل، ونجاة الرّسل والّذين آمنوا بهم واتّبعوهم، والّتي جاء في السورة عرض أمثلة كثيرة منها، من المهلكين المكذّبين الأولين، تدلّ على سنّة اللّه في عباده، أليس في هذه الآيات الجزائيّة الّتي كشفتها الأمثلة التّاريخيّة الواقعية، ما يدلّ أهل النّظر المتفكّرين على صدق ما جاء به محمّد عن ربّه، فتهديهم إلى الإيمان به، وإلى الإيمان بالآيات البيانيّة المنزّلة عليه، مسوقين بالخوف من العقوبة الرّبّانية أن تنزل بهم، كما نزلت بالّذين من قبلهم.
وقد ألمحت إلى هذا الوجه العبارة التالية من الآية:
وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ... (185) :
أي: أو لم يتفكّروا في آيات اللّه الجزائية، أو لم يقع في تقديرهم أنّ شأنهم صار متوقّعا معه أنّ مدّة إمهالهم قد اقتربت من الانتهاء، وأنّ أجل إنزال العقاب بهم قد اقترب.
إنّ هذا التوقّع كاف لأن يردّهم إلى الحقّ.
بعد هذا الحصار البيانيّ الاستدلاليّ من كلّ الجهات، صار من الحكمة أن تختم الآية بقول اللّه عزّ وجلّ:
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) :
أي: فإذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فلا يوجد بعده حديث أخر يجعلهم يؤمنون، لأنّ كلّ حديث آخر سيكون دون هذا الحديث الحصاري، المتين بالحجج البرهانيّة الدّوامغ.
ولا بدّ من التّنبيه هنا على أنّ عقدة الامتحان بالإيمان، هي الإيمان