معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 81
وشاع استعمال الرّسوّ والإرساء للدلالة على وصول السّفن إلى الميناء، وإلقاء مراسيها لتثبت وتستقرّ.
فدلّ استعمال لفظ: مُرْساها على معنيين، هما: أيّان رسوّها، وأيّان إرساء اللّه لها.
وفي استعمال الرّسوّ والإرساء، للدّلالة على وقت انتهاء مسيرة هذه الحياة الدّنيا، استعارة قائمة على تشبيهها بالسفينة، وتشبيه الزمن بالبحر، وتشبيه انتهاء نظام هذه الحياة الدنيا وأحداثها بالرّسوّ في مرفأ هذا البحر الزّمني.
والغرض الفكريّ من هذه الاستعارة الدّلالة على معنى فلسفيّ دقيق، هو أنّ هذا النظام الكونيّ بتراتيبه وتصاريفه المتتابعة لحظة فلحظة، وبالتغيرات المستمرّات اللواتي تجري فيه، يشبه سفينة جارية في البحر، لها في كلّ لحظة موقع وحركة جديدان دواما، وأنّ هذا التجدّد لا ينتهي إلّا إذا قامت السّاعة، وانتهى بقيامها كلّ هذا النظام، كما تتوقّف السّفينة في الميناء، وتلقي مراسيها، وتثبت وتستقرّ عنده.
فلم يكن استخدام هذه الاستعارة لمجرّد الإمتاع الفنّيّ بصورة بلاغيّة جماليّة، بل اقترن به غرض فكريّ اشتمل على بيانات ذوات قيمة، مع الإيجاز الشديد، والاقتصاد في العبارة، وهكذا شأن التشبيهات والاستعارات، إذ تكفي فيها الكلمة الواحدة للدّلالة على معاني جمل كثيرة، فهي تغني في الدلالة على معانيها، مع ما فيها من جمال يسرّ المتفكّرين.
فالعبارة القرآنية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها بهذا الإيجاز الذي هو غاية في الاقتصاد في العبارة، تحمل أبعادا فكريّة واسعة، مع أنّ السؤال فيها مؤلف من لفظتين فقط: أَيَّانَ مُرْساها لكنّهما منتقاتان بدقّة فائقة.
قول اللّه تعالى: