معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 94
التاريخ البشريّ حتّى شرك مشركي الأمم، إبّان دعوة الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلم، وفي مقدّمة المعالجين مشركو العرب، الّذين واجهوا أوّل بيانات الدّعوة المحمّديّة.
ومن الحكمة في معالجة شرك المشركين الّذين يعبدون من دون اللّه شركاء له، البدء بقضيّة الإيمان بتوحيد الربوبيّة للّه عزّ وجل.
أي: ببيان أنّ الخالق الممدّ بعطاءات الرّبوبيّة كلّها، هو اللّه وحده لا شريك له، فلا رازق غيره، ولا محيي غيره، ولا مميت غيره، ولا راحم غيره، ولا نافع غيره، ولا ضارّ غيره، ولا يرزق الأولاد غيره، ولا يهب البنين والبنات غيره، فهو الذي يجب أن يعبد بالعمل بآياته المنزّلات على رسوله، وأن لا يشرك بعبادته أحد كائنا من كان، وكائنا ما كان.
التدبّر التحليلي:
قوله اللّه تعالى:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها ... (189) :
هذا النّصّ يدلّ بوضوح كامل على أنّ السّلالات البشريّة مشتقّة من نفس واحدة، يستوي في هذا ذكورها، وإناثها، فالنّطف المنويّة الّتي يقذفها الذّكور هي الحاملة للسّلالات البشريّة ذكورها، وإناثها، وكلّها ترجع إلى الذّكر الأول، وهو آدم عليه السلام، فكلّهم من نفس واحدة، هي النّفس المتصفة بالذّكورة.
ومن حكمة اللّه الخالق الرّبّ جل جلاله، أن جعل من نوع هذه النّفس الواحدة، زوجها، ليسكن الزّوج الذكر إليها، أي: ليسكن حين الاندفاع إلى القرين المؤنس مائلا إليها، فإذا انضمّ إليها سكن جسده، وسكنت نفسه، واستسلم للرّاحة السّعيدة.
التعبير بفعل"جعل"في: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها يدلّ على الحالة الدّائمة في السّلالات البشريّة، وهي أنّ الذكر من هذا النوع يسكن للزّوج