معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 95
الأنثى من هذا النوع، بالجعل الرّبّاني، في نظام الخلق المتتابع.
أمّا بدء اشتقاق خلق حوّاء من آدم عليه السّلام، فقد جاء التعبير عنه في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول) :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً ... (1) .
فبدء خلق الأنثى الأولى كان اشتقاقا من الذّكر الأوّل، ثمّ سارت السّلالات على أنّ الذّكور تحمل ذرّيّات الإخصاب ذكورها وإناثها، واقتضى نظام التكوين الرّبّانيّ جعل الذكور يسكنون إلى الإناث أزواجا لهم، لتكون الإناث محاضن تنبت فيها بزور الذّرّيّة الّتي يزرعها الذكور فيهنّ.
ففرّق اللّه عزّ وجلّ بين أصل الخلق، وبين الجعل بعد الخلق.
قول اللّه تعالى:
فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)
فَلَمَّا تَغَشَّاها: يقال لغة: تغشّى الشّيء الشيء، أي: غطّاه، وعبارة تَغَشَّاها: كناية مهذّبة عن الجماع.
وتغشّي الزّوج الذّكر للزّوج الأنثى هو العمل الطبيعيّ الأحسن لكلّ منهما.
أي: فلمّا اتّخذ الأسباب التّزاوجيّة الّتي جعلها اللّه جلّ جلاله في نظام التكوين، أسبابا للتناسل، والتكاثر البشريّ.
حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا: في هذه العبارة وصف لحالة علوق الجنين أوّل الحمل، إذ يكون حملا خفيفا جدّا، لا تحسّ الأنثى به.
فَمَرَّتْ بِهِ: أي: فمرّت بهذا الحمل في أيام حملها وهو يتنامى شيئا فشيئا.