معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 132
قال ثعلب في تفسير: لَوْ لا اجْتَبَيْتَها: لولا جئت بها من عند نفسك.
وقال الفرّاء: هلّا اختلقتها وافتعلتها من قبل نفسك، وهو في كلام العرب.
أقول: فالكفرة المشركون بدؤوا يقولون على سبيل التشكيك في صدق تبليغ الرسول عن ربه، مستغلّين حالة تأخّر نزول نجم جديد عليه، ولو آية واحدة: هلّا اصطنعت آية من عند نفسك، أو انتحلت آية ناقلا لها من مسطورات الأوّلين، أو هلّا انتقيتها واصطفيتها من كتبهم، كما هي عادتك.
كان هذا القول التعريضيّ موجّها من المشركين للرسول صلى اللّه عليه وسلم إيّان نزول سورة (الأعراف) .
ثم وجّهوا له أقوالا صريحة الاتّهام بما تضمنه كلامهم التعريضيّ هذا، وكان توجيهها إبّان نزول سورة (الفرقان/ 25 مصحف/ 42 نزول) وفي بيان هذا قال اللّه عزّ وجل فيها:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا* وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا إنّ قولهم للرسول: لَوْ لا اجْتَبَيْتَها وفق المعاني الّتي سبق بيانها، يشبه قول المشكّكين في تصرّفات مدير مكتب الوزير، حين يتصوّرون أنّه يصنع القرارات بغير علم سيّده، ويوقّعها عنه تزويرا، هلّا صنعت لنا قرارا بموضوع كذا ووقّعته، وصدّرته باسم الوزير، يعنون بهذا القول أنّه يفعل مثل هذا كثيرا فيما ينسب إلى الوزير من قرارات.
وكان هذا الكلام التعريضيّ إرهاصا وتوطئة لما صرّحوا به بعد ذلك، إبّان نزول سورة (الفرقان/ 25 مصحف/ 42 نزول) .