معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 141
وعندئذ يتمكّن من ذاتيّات الإنسان كلّه، ويكون موجّها لأنواع سلوكه، ما كان منه داخليّا نفسيّا، وما كان منه خارجيّا مرئيّا، وبه يكون الخوف من اللّه، والخشية منه، ثمّ الطّمأنينة لجلال سلطانه، وبه يكون الحبّ، وصدق التّوجّه والرّجاء والدّعاء، والتوبة والإنابة، والمراقبة الدائمة. وبه يكون الإخلاص للّه في العمل، والبعد عن الرّياء ومطالب الحياة الدّنيا الفانية. وبه يكون استدعاء تصوّرات الجنّة وما فيها من نعيم، وتصوّرات النار وما فيها من عذاب أليم، وتصوّرات الحشر وموقف الحساب بين يدي العزيز الجبّار.
هذا هو الذّكر الحقيقيّ الأسمى.
تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ... (205) :
في هذه العبارة بيان آداب ذكر اللّه الثلاثة:
الأدب الأول: دلّ عليه قول اللّه تعالى: تَضَرُّعًا أي: من أدب ذكر اللّه الممتدّ من عمق النفس إلى نطق اللّسان، أن يكون مصحوبا بالتضرّع للّه.
التضرّع: هو التذلّل والخضوع، مأخوذ من خضوع ولد البهيمة ليمتصّ حليب أمّه من ضرعها، وهو ثديها.
الأدب الثاني: دلّ عليه قول اللّه تعالى: وَخِيفَةً: أي: ومن أدب ذكر اللّه الممتدّ من عمق النّفس إلى نطق اللّسان، أن يكون مصحوبا بالخوف من عذاب اللّه وعقابه ونقمته.
الخيفة: كالخوف، مصدر"خاف". يقال لغة:"خاف يخاف خوفا ومخافة وخيفة".
والخوف يكون من توقّع حلول مكروه، أو فوت محبوب أو مرغوب فيه.