معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 142
يقال: خاف من كذا، وخاف على كذا.
الأدب الثالث: دلّ عليه قول اللّه تعالى: وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ.
الجهر بالقول: هو رفع الصّوت بالكلام حتى يسمعه الآخرون الحاضرون من حول رافع الصوت سماعا جليّا واضحا.
يقال لغة: جهر الرّجل بكلامه أو دعائه أو صوته أو قراءته"يجهر، جهرا، وجهارا"أي: رفع بذلك صوته، فهو"جهير".
ويقال: أجهر بكلامه فهو"مجهر"ويعدّى من غير حرف فيقال: أجهر الرّجل كلامه.
فمن آداب ذكر اللّه باللّسان أن يكون دون الجهر، ويدخل فيما دون الجهر الهمس، والذّكر الخفي مع تحريك اللّسان به.
وفائدة الذّكر اللّساني أن يكون مساعدا لمراكز الذّكر في النّفس، حتّى تعمل هذه المراكز بالذكر الحقيقيّ المطلوب مصاحبته لتحريك اللّسان بالأقوال، ذات المعاني المتّصلة بعناصر ذكر اللّه النّفسيّ الّتي سبق بيانها.
وكلّما كان الذّكر اللّسانيّ أكثر بعدا عن الجهر بالقول كان أكثر مساعدة على اشتغال النفس والقلب من أعماقهما بالذّكر الحقيقيّ للّه عزّ وجلّ، فعبارة: وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ تحدّد السّقف الأعلى لأدب الذّكر اللّسانيّ المساعد للذكر النّفسيّ والقلبي، وهي في الوقت نفسه توجّه للعناية بالأخذ بالأخفت فالأخفت من الذّكر اللّسانيّ والتّعوّد عليه، حتّى يصل إلى قريب من الذّكر النّفسيّ الّذي يعمل داخل عمق النفس.
بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: هذه العبارة تحدّد وقتين مهمّين مفضّلين، لذكر الرّبّ الذي سبق بيانه، وبيان آدابه، هما وقت"الغدوّ"ووقت"الآصال"أي: بكلّ غدوة وبكلّ أصيل من كلّ يوم من أيّام الأرض، مدّة حياة الإنسان الممتحن المكلّف.